نحن والأمم الأخرى

نحن والأمم الأخرى

كل أمة ذات حضارة من أهم أولوياتها الحفاظ على تميزها، وإنقاذ موروثها الثقافي، فلا تقبل ضيم الذوبان، والتنازل عن أمجادها، ومورورث أجدادها، ويستوي في ذلك كل الشعوب التي لها شأن في هذه الحياة. وعند ما احتل الغرب في بلادنا كان لأجدادنا طرق خاصة يحضرون بها طعامهم، ويطبخون بها عيشهم، كانوا يأكلون طعاما طبيعيا صحيا غنيا بالفيتامينات، متسالما مع البيئة، كانوا يأكلون طعاما خاليا من السمادات والمبيدات والمواد الحافظة، كانوا يأكلون من الذرة، والشعير، والفول، والعدس، والألبان، واللحوم الطرية، والأسماك النقية، ولذلك كانوا يتنعمون بصحة تامة، وحيوية فائقة، لم يحتاجوا إلى مراجعة الطبيب، وابتلاع السموم التي يسمونها أدوية وعقاقير.
كانت جدتي ترعرعت في بيئتها الطبيعية، وقدر لها أن تعيش حتى ناهزت ثمانين من عمرها، فلما نزحت إلى الغرب لقيت أول طبيب ففحصها ثم فتح فاه التعجب، مستغربا بأن أعضائها الداخلية من قلب وكبد وطحال وأسنان مازالت في ريعان عمرها من الثلاثين.
ولما احتل الغرب ديارنا لم يراع طريقة حياتنا الخاصة ولم يحترم تقاليدنا في التغذية، وإنتاجنا القومي، بل فرض على الشعب أن يترزق مما تنتجه مصانعهم من الأغذية المصنوعة، والأطعمة المعلبة، من معكرونة وأخباز وغيرها مما ترك في نظام التغذية للأجيال التالية أزمة حادة، وتبعية لا تنتهي. وقل مثل ذلك في جميع نواحي الحياة من أدوات تناول الطعام من الملاعق، والأطباق، أو أدوات تجهيز الطعام من القدور والأباريق، أو طريقة اللباس والملبوس، حتى صرنا سوق الاستهلاك للمحتل من الإبرة والقلم إلى الطائرة والمركبات.
 ومن جانب آخر لم يأخذ من إنتاجنا المحلي إلا بعض الأشياء التي لم يجد لها بديلا مثل الموز وبعض الفواكه والخضروات، وهذه كذلك ادعى أنها من إنتاجه أو مشاركا لها “كصوملتا”
 ولو اقتصر التأثر بالمحتل من جهة القوت واللباس لكان الأمر أهون، ولكان الخطب يسيرا؛ ولكنه أطال على المعتقد والسلوك، ذلك لأن الصوماليين كسائر الأمم كانت لهم أسماء يطلقون عليها الأشهر، وكانت ـ كما يبدو- هذه الأسماء مستوحاة من أسماء الأشهر العربية، مثل “عرفة”التى يطلقونها على الشهر الثاني عشر؛ لأن الحجاج يقفون فيها على العرفات، فهو من باب إطلاق الجزء على الكل، ويسمون كذلك “الزكاة” على الشهر التي تليها؛ لكونهم يدفعون فيها الزكاة، وكما هو معلوم فإن أسماء الأشهر عند الصوماليين لا تحمل في طياتها أخطاء عقدية، ولا أسماء وثنية، فلما جاء المحتل بدؤوا يؤرخون بتاريخ المحتل التي هي عبارة عن أسماء الأوثان التي كان الإغريق يعبدونها؛ ليخلدوا أسماء هذه الأصنام، أطلقوا عليها الأشهر “فأغسطس” مثلا هو وثن إغريقي.
فليس من الضير أن يأخذ شعبنا ما عند الآخرين من الحضارات والإنتاج؛ لأن الحكمة ضالة المؤمن أنى وجدها فهو أحق بها، حتى وصل الأمر إلى أن النبي صلى الله عليه وسلم زكى حكمة خرجت عن فم شيطان، مع أن القائل مطعون ملعون، والقرآن الكريم يحث علينا بالنظر والـتأمل بآثار الأمم الغابرة، ناهيك الحاضرة؛ لاستخلاص الدروس والعبر من تصرفاتهم سلبا أوإيجابا{أولم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم}([1])
 ولكن بعض الناس تختلط عليهم الموازين، ويفقدون الأرضية الثابتة، فيخطلون بين الغث والسمين، وبين السم والعسل، فينخدعون بدعايات الاحتلال، وما يقدمه للأمم من العقائد المنحرفة، والعادات الشاذة، بثوب الحضارة والتقدم، من هنا يظهر صلابة أرضية أمتنا ومنهجها الرباني الذي يغربل ما يقدم إليها، فإن كان صالحا حسب ميزانها أجازته وهضمته، وإن كان شاذا، أو سما زاعقا رفضته لقاعدة {لكم دينكم ولي دين}[2]، فأمتنا تتعامل مع الأمم بالعلم لا بالجهل، ولا تنطلي عليها السبل، ولا تتخذ الهواء دينا وتقاليدَ، كما تتعامل مع الآخرين بالعدل لا بالظلم والضيم، انطلاقا من قاعدة { لا يجرمنكم شنئان قوم على ألا تعدلوا، اعدلوا هو أقرب للتقوى}([3])
وفي عصر العولمة، وتقارب الأمم والأوطان، واختلاط الحبل بالنابل، تتأكد حاجة أمتنا لمعرفة ثوابتها حتى لا تذهب مع أدراج الرياح، ولا تنسلخ عن عقيدتها وأخلاقها. وحتى لا يصدق عليها تنبؤ الرسول صلى الله عليه وسلم ” لَتَتّبِعُنّ سَنَنَ الّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ. شِبْراً بِشِبْرٍ، وَذِرَاعاً بِذِرَاعٍ. حَتّىَ لَوْ دَخَلُوا فِي جُحْرِ ضَبَ لاَتّبَعْتُمُوهُمْ” قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللّهِ آلْيَهُودُ وَالنّصَارَىَ؟ قَالَ “فَمَنْ؟” ([4] )
الهوامش
…………………………
([1])سورة الروم[1]
[2] – سورة الكافرون
[3] – سورة المائدة
[4] – رواه الشيخان

المصدر http://arabic.alshahid.net/columnists/131814