من السياسة ترك السياسة

من السياسة ترك السياسة
“السياسة“ مسألة شائكة تتشعب وديانها، وتتنوع مشاربها، وتختلف مبادئها، وتتأثر بالزمان والمكان، والمنهج والمشرب، والفكر والذوق، والممكن وغير الممكن والذي قال: ” من السياسة ترك السياسة “- وإن شنعه بعض الأفاضل ،– له قراءته وفهمه، ومشربه؛ لأنه وجد في بيئته أن من خاض في غمار السياسة لا يجني منها إلا شرا؛ لأنها سياسة مبنية على الاستبداد، لا تنطلق عن قانون ولا نظام، ولا تراعي حقا شرعيا ولا عرفيا، الحاكم فوق الشريعة والنظام، رأيه هو القانون، مصلحته هي السياسة، منهجه “ما أريكم إلا ما أرى” فمن زاول معه السياسة والحالة هذه ذاب فيها كذوبان الملح في الماء، وفقد المصداقية والإخلاص، وتتمندل به الحاكم، وصار لسان شر يشارك بالإثم والتمويه. لقد سمعت أذناي ورأت عيني فضيلة الدكتور ” عائض القرني ” حفظه الله، وهو يقول بالحرف الواحد ” أستغفر الله… تبت عن السياسة ” فحول تويتراته إلى “حصن المسلم” لا يذكر فيها إلا فضائل الأعمال متأسيا في ذلك بإخواننا التبليغ، وذلك له ما يبرره؛ لأنه رأي في بيئته الذين مارسوا حقهم السياسي، إما أنهم في غياهب المعتقلات، وإما أنهم صاروا مركبا ذلولا للحاكم المستبد، ولسان حالهم يقول:
إنا له بعيره المذلل * إن أذعرت ركابه لم نذعر.

 

روى لي أخ كان وزيرًا في حكومة “سياد بري” – ومازال الأخ على قيد الحياة -قصة ،،علبة الكبريت،، فضحكت حتى استلقيتُ، وخلاصة القصة : أن الطاغية السابق جلس مع الوزراء وكانت في يده علبة كبريت، فأخرج سيجارة فتظاهر كأنه يشعلها، ثم فتح علبة الكبريت فإذا أعواده تتناثر على الأرض، فتتسابق الوزراء لجمعها، وعينه عليهم، وهو يجسّ نبض حريتهم ، وينظر إليهم علّه يجد فيهم حرا يترفع عن هذا الاستعباد فيطرده عن المنصب .
وقد قال الثعلب الجائر في القسمة لما سأله الأسد المستبد من علمك الحكمة والعدل؟ قال: علمني رأس الذئب المفصول عن جسده.
واللاعب مع هذا الحاكم إما أن ينعزل ويقول: من السياسة ترك السياسة، ويخدم الأمة في جبهة ما، يراها أنها أجدر وأنفع للأمة ولو مرحليا. وإما أن يصبر في السجن كصبر أصحاب الكهف. وإما أن يصفق للظالم الغشوم، ويبرر ظلمه، ويتكلف بتأويل فساده، وتسويق جوره.
فمن يا ترى أشطر الثلاثة، وأتقى ربه؟ لا شك أنك تقول: الأول أحذق وأسيس، لأن السياسة ما هي إلا أن تقلل الخسائر وتزيد الربح، وأن تعرف من أين تؤكل الكتف.
وقد حث الشارع في بعض الظروف أن يسكت الإنسان حيث لا يجدي الكلام، فمريم بنت عمران مثلا لاذت بالسكوت، ﻷنها وجدت أن الكلام لا يسعفها في هذا الموطن، وقد يكون خير مال المسلم غنم يتبعه في شعف الجبال، وذلك حين لا تأتي الخلطة ثمارها، ولا يستطيع المرء ممارسة حقه في السياسة وإبداء رأيه، وقد أوى أصحاب الكهف في كهفهم حين لم تنفعهم الخلطة. وهذا نوع من السياسة ومرونة في الشريعة التي تلبي احتياجات كل بيئة وظروف.
وخاصة عندما يستطيع الإنسان أن ينجز مشروعا آخر بعيدا عن خلطة هذه الشلة الفاسدة.
من مشاكلنا العويصة كمسلمين أننا لم نجد حلا ناجعا عمليا قضية “الحاكم، والقانون أو الشريعة، والشعب وعلاقته بالحاكم ” هذه القضايا الثلاث هي التي قصمت ظهورنا، وسببت لنا نزيفا داخليا، واستنزفت طاقاتنا، وأدخلتنا في دوامة، بسببها استهان بنا الأعداء وشمت بنا الحساد، وذهبت حضارتنا مع أدراج الرياح، مع أن الحلول جاهزة في شريعتنا، طافحة في نصوصنا، واغلة في تأريخنا، متأصلة في أرومتنا، إلا أننا عاجزون أن نعتبر شريعتنا وقانوننا عمليا فوق الحاكم والمحكوم، والرئيس والمرؤوس، بحيث يكون الحاكم والمحكوم أمام القانون سواء، لا فضل لأحد على أحد إلا ما تعطيه الشريعة من الحقوق والواجبات، ويحدد له القانون الرباني الذي لا يتأثر بهوى مسئول، ولا بمصلحة طبقة معينة، ولا أجندة فئة دينية وأيدلوجية، بل المسلمون على شروطهم، والحلال ما أحله الله ورسوله، والحرام ما حرمه الله ورسوله.
يوسف أحمد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

← مقالات