صَفَحَاتٌ مِن حَيَاةِ الدَّاعِيةِ محمدٍ أحمدَ رُوْبْلِه

صَفَحَاتٌ مِن حَيَاةِ الدَّاعِيةِ محمدٍ أحمدَ رُوْبْلِه المُلَقَّب بِ ( بُقُلْ صُوْمْ): رحمه الله تعالى.
 
الحلقة الأولى:
 
أيُّها القَارِئُ الكريمُ هَذِهِ الصَّفَحَاتُ التِّي سَتَقْرَؤُها هِي سِلْسِلَةُ حَلَقَاْتٍ مِنْ حَيَاةِ الدَّاعِيِةِ ” بُقُلْ صُوْمْ” فِيْ حَيَاتِهِ الدَّعْوِيّةِ، وَنَشْرِهِ الخَيْرَ وَكِفَاحِهِ فِيْ سَبِيْلِ اللهِ لِتَبْلِيْغِ رِسَاْلَةِ رَبِّهِ بِكُلِّ فَنَاءٍ وإخلاص.
  • لَاْ أَرْوِيْ مِنْ قِصَّتِهِ إِلَّاْ مَاْ وَقَفْتُ بِنَفْسِيْ عَلَيْهَاْ، وَكُنْتُ عَلَيْهَاْ مِنَ الشَّاهِدِيْنَ، أَوْ سَمِعْتُهَا مِنْهُ مُشَافَهَةً.
  • عِشْتُ مَعَ الْأَخِ وَرَاْفَقْتُ مَعَهُ فِيْ بَعْضِ رِحْلَاْتِهِ الدَّعوِيَّةِ وَهَذا مِنْ بَعْضِ مَاْ أَنْقُلُهُ لَكَ.
  • سَبَقَ أَنْ كَتَبْتُ كِتَاْباً سَمَّيْتُهُ” تُحْفَةُ الأَخِلَّاْء بِسِيْرَةِ بُقٌلْ صٌوْمْ” طُبِعَ فِيْ مِصْرَ عَاْم 2005م. وَقَدَّمَ لَهُ فَضِيْلَةُ الشَّيْخِ/ مُحَمَّدِ بن رَشَّاْدِ بن مُعَلِّمِ الحَسَنِ أَوَيْس رحمه الله تعالى، فَاخْتَارُ مِنْهُ بَعْضَ الفُصُوْلِ وَأَزِيْدُ عَلَيْهَاْ بَيَاْناً لِبَعْضِ مَاْ جَاْءَ فِيْهَاْ.
  • وَجَدْتُ أَنَّ بَعْضَ الكُتَّابِ الذِيْنَ لَاْ يَخَاْفُوْنَ اللهَ فِيْ كِتَاْبَاْتِهِمْ أَنَّهُمْ يُزَوِّرُوْنَ الحَقَاْئِقَ، وَيَطْلُبُوْنَ لِلْبُرَآءِ العَنَتَ، وَيَصِفُوْنَ كُلَّ نَقِيْصَةٍ بِالدُّعَاْة الذِيْنَ شَهِدَ لَهُمْ الإِخْلَاْصَ كُلُّ دَاْنٍ وَقَاْصٍ، وَلِذَلِكَ اِرْتَأَيْتُ أَنْ أُسَجِّلَ مَا اسْتَطِيْعُ تَسْجِيْلَهُ مَعَ قِلَّةِ وَقْتِيْ وَمُزْجَاْةَ بِضَاْعَتِيْ.
أَوَّلُ مَاْ تَلَاْقَيْنَاْ
 
كَاْنَ أَوَّلُ مَاْ لَقِيْتُهُ أَنِّيْ وَجَدْتُهُ مُتَرَبِّعاً عَلَى صَحْنِ مَسْجِدٍ ([1]) وَهْوَ يُرَدِدُ: لَاْ إِلَهَ إِلَّاْ هُوَ.. عَلَى النَّغَمِ المَعْرُوْفِ عِنْدَ الطَّرِيْقَةِ الأَحْمَدِيَةِ، وَكَاْنَ يَظْهَرُ مِنْهُ بِأَنَّهُ مُغْرَمٌ بِالطَّرِيْقَةِ الأَحْمَدِيَةِ (الرَّحْمَانِيَةِ) ([2]) وَبِأَشْعَارِهَاْ وَأَذْكَاْرِهَاْ.
وَأَمَّاْ أَنَاْ فَكُنْتُ أَمْيَلُ إِلَىْ الطَّرِيْقَةِ القَاْدِرِيَّةِ ([3]) آنذَاْكَ، ثُمَّ تَفَرَّقْنَاْ.
عَصَاْ مُوْسَىْ عَلَىْ القَاْدِرِيَةِ
 
وَفِيْ خِلَاْلِ هَذِهِ الفَتْرَةِ قَدَّرَ اللهُ أَنْ زَاْرَنَاْ عَمِّيْ الشَّيْخُ\ عَلِيُّ التَّوْحِيْدِيُّ – رَحِمَهُ اللهُ تَعَاْلَىْ – وَكَاْنَ أَصْحَابُ الطَّرِيْقَةِ القَاْدِرِيَةِ يُلَقِّبُوْنَهُ  بِعَلِيِّ البِدْعِيّ، وَكَاْنَتْ عَلَاْقَتُهُ مَعَ الطَّرِيْقَةِ القَاْدِرِيَّةِ سَيِّئَةً لِلْغَاْيَةِ، إِذْ إِنَّهُ كَاْنَ جَرِيْئاً بِقَوْلِ الحَقِّ غَيْرَ خَاْئِفٍ فِيْ اللهِ لَوْمَةَ لَاْئِمٍ، كَاْنَ يَتَحَوَّلُ إِلَىْ أَسَدٍ كَاْلِحٍ إِذَاْ سَمِعَ خُرَاْفَةً  أَوْ خَرْقاً فِي العَقِيْدَةِ أَوْ تِلَاْوَةً بِدْعِيَّةً أَوْ تَمْتَمَةً شِرْكِيَّةً. وَكَاْنَ كَثِيْرًا مَاْ يَقُوْلُ: ” أَنَاْ عَصَاْ مُوْسَىْ عَلَىْ القَاْدِرِيَّةِ .. أَنَاْ عَذَاْبُ سَلَّطَهُ اللهُ عَلَىْ القَادِرِيَّةِ.” كَاْنَ عَمِّيْ – رَحِمَهُ اللهُ تَعَاْلَىْ- فِيْ بِدَاْيَةِ أَمْرِهِ زَعِيْماً مِنْ زُعَمَاءِ الطَّرِيْقَةِ الأَحْمَدِيَةِ، وَكَاْنَ مَرْجِعاً مُتَضَلِّعاً عَلَى المَذْهَبِ الشَّاْفِعِيِّ، يُقَيِّدُ مَسَاْئِلَهُ، وَيُتْقِنُ فُرُوْعَهُ، كَاْنَ مِنْ أَوْعِيَةِ العِلْمِ فَقِيْهَ النَّفْسِ، مَنْ نَاْظَرَهُ أَعْيَاْهُ، وَمَنْ جَاْدَلَهُ أَفْحَمَهُ، مَاْ رَأَيْتُ أَعْرَفَ مِنْهُ بِدَقَائِقِ المَذْهَبِ وَأَسْرَاْرِ أَحْكَاْمِهِ، دَمِثَ الأَخْلَاْقِ لَاْ يَسْأَمُ سَاْمِعُهُ مِنْ حَدِيْثِهِ، وَهَذَاْ مِمَّاْ جَعَلَ زُعَمَاْءَ الطَّرِيْقَةِ الأَحْمَدِيَةِ – كَشَرِيْفَوْ – يُكِنُّوْنَ لَهُ بِكُلِّ احْتِرَاْمٍ وَإِجْلَاْلٍ وَيَفْزَعُوْنَ إِلَيْهِ عِنْدَ عَوِيْصِ المَسَاْئِلِ حَتَّى بَعْدَمَاْ تَوَحَّدَ وَنَبَذَ البِدَعَ وَالخُرَاْفَاْتِ، وَصَاْرَ مِنْ أَهْلِ السُنَّةِ وَالجَمَاْعَةِ، أَحَبُّوْهُ بِصَرَاْحَةِ أَقْوَاْلِهِ، وَصَرَاْمَةِ أَمْرِهِ، وَصِدْقِ حَدِيْثِهِ، وَإِخْلَاْصِ أَعْمَاْلِهِ، وَسَلَاْمَةِ صَدْرِهِ اِلْتَقَيْتُ بِهِ مَعَ أَنَّنِيْ كُنْتُ فِيْ حَيْطَةٍ مِنْ أَفْكَاْرِهِ، وَحَذَرٍ مِنْ أَمْرِهِ، إِذْ عُبِّيَ فِيْ ذَاْكِرَتِنَاْ مُنْذُ نُعُوْمَةِ أَظْفَاْرِنَاْ بِافْتِرَاءَاْتٍ وَتَقَوُّلَاْتٍ عَلَيْهِ، قَدْ ظَهَرَتْ لَنَاْ عِنْدَ إِدْرَاْكِنَاْ بِأَنَّهُ بَرِيْئٌ مِنْهَاْ. لَكِنَّهُ بَهَرَنِيْ بِعِلْمِهِ الفَيَّاْضِ، وَبِعَقِيْدَتِهِ السَّاْطِعَةِ، وَاعْتِمَاْدِهِ عَلَىْ صَرِيْحِ الكِتَاْبِ وَصَحِيْحِ السُنَّةِ، وَتَأَسِّيْهِ الشَّدِيْدِ بِسَيِّدِ وَلَدِ عَدْنَاْنَ؛ فَأَثَاْرَ فِيْ نَفْسِيْ أَسْئِلَةً عِدَّةً؛ وَأَفَاْدَنِيْ بِقَوَاْعِدَ جَمَّةً فَتَحَ الله ُلِيْ بِهَاْ فِيْمَاْ بَعْدُ آفَاْقاً وَاْسِعَةً.
خِلَاْفٌ رَهِيْبٌ
ثُمَّ قَدَّرَ اللهُ أَنَّهُ حَدَثَ خِلَاْفٌ رَهِيْبٌ بَيْنَ مُعَلِّمِيْ ( المُعَلِّمِ مَحَمُوْدِ بنِ المُعَلِّمِ أَحْمَدَ الحَسَنِيِّ – رحمه الله – ) وَبَيْنِ أَحَدِ طَلَبَةِ القَاْدِرِيِّ الذِيْ اسْتَدْعَاْهُ المُعَلِّمُ إِلَىْ مَدْرَسَتِهِ؛ لِيُعَلِّمَ تَلَاْمِيْذَهُ بَعْضَ مُتُوْنِ الفِقْهِ المَذْهَبِ الشَّاْفِعِيِّ، فَكَاْنَ يُدَرِّسُنِيْ أَنَاْ وَمُعَلِّمِيْ  كِتَاْبَ  ” مَتْنُ الغَاْيَةِ وَالتَّقْرِيْبِ لِلْأَصْبِهَاْنِيِّ([4])” كَمَاْ كَاْنَ يُدَرِّسُ عَدَداً كَبِيْرًا مِنَ التَّلَاْمِيْذِ كِتَاْبَ ” سَفِيْنَةُ الصَّلَاْةِ”.([5])
الحلقة الثانية
بَعْدَ فَواتِ الأَوَانِ
وبما أنّ معلمَنا كان يتعاطف مع الطريقة الأحمدية، أدرك في وقت متأخر جداً أنه ارتكب خطأ فادحا؛ حين سلّم زمام تلاميذه إلى قَاْدِريٍّ بَثَّ أفكار القَادرية وَمَنْهَجَها بين طلابه؛ فَاسْتَاقَ عددا غَفِيرًا منهم، عندها سُقط في يد المعلم وحزن حُزناً عميقاً، عبّره في أبيات من الشعر باللغة الصومالية مزج فيها العَبَر بالأسف، وكنتُ ممن استَفَزَّهم القادري، لذا يَمَمتُ وجهي نحو الطريقة وتعصبتُ لها، لا تخطئني حلقة، ولا يفوتني لقاء، ندي الصوت، عذب الألحان بالتنغُّم بأشعار الطريقة، فإذا رفعت عقيرتي بـ  مَدَدْ يَاْ جِيْلَانِي** مَدَدْ يَاْ جِيْلَانِي ** أَغِثْنَا يَاْ غَوْثُ ** أَغِثْنَاْ يَاْ غَوثُ. انجَذَبَ عدد كبير من المحُلِّقِين، وتمَايَل بَعضُهم إلى بعض، ويُسمع منهم غمغمة وزفيراً. وكانت تعجبني تلك القصص الموضوعة بعبقرية ودهاء لتدهيش الطلاب بالكرامات التي يلقيها شيخنا بين فينة وأخرى بعد ختم لقاء الأربعاء. وكانت تجذبني بصفة خاصة قصة قبقاب الشيخ التي ملخصها:
” أنَّ سارقاً أراد أن يَسرق قَبْقَابَ الشيخِ ـ أحذية الشيخ من الخشب ـ فجلس تحت السرير إلى نصف الليل، ثم مات رجل من الأبدال، فنصبه الشيخُ مكان الرجل المتوفى ” وكان يقول لنا: ” إن للغوث (الشيخ عبد القادر) اثني عشرة صفة لو كانت البحار مدادا، والأشجار أقلاما، والإنس والجن كتّابا لما قدروا على بيان أدنى صفة من تلك الصفات”.
” الإنس لهم مشايخ، والملائكة لهم مشايخ، وأنا شيخ الكل”
نَقُودٌ للألحان
حضر ابن عمتي ليلة في حلقة الأربعاء التي كانت تعقد في كل أسبوع مرة، وتُخصُّ بأشعار الزَّيْلَعيَّةِ، فبهرتُه ألحَاني مع حَداثة عمري، فَحَبَاني نُقودا عندما فضّ المجلسُ، فقال لي: هذا جزاء حسن صنْعتك.
عَبَرَاتٌ على الأوراق
وفي إحدى الليالي استَدعاني مُعلِّمي -رحمه الله-وانفرد بي مُستظِلَّين في ليلة مُقْمرة بظلال جدار بيته فَجَرِّد رُقعةً مِن جَيبه ونَفثَ فيها ما في نفسه من الحزن العميق، فلما أفِقتُ مِن قراءتها نظر إليّ، وقال: يا يوسف، هل ترغب في أن أدعو لك دعوةً مستجابة؟ فقلت في تَلَهُّف: نعم يا معلمي!  ثم قال: دَعِ الطريقة القادرية؛ فانَّ علمَهم عَلِيْلٌ، فإن قبلتَ دَعوتي فإن الله سيَفْتَحُ لك آفاقا من العلم خيرٍ وأَبْركَ مما عند هم. وقال لباقي التلامذة مثل ما قال لي.
عزوفٌ عن القادرية
 منذ ذلك اليوم عزمتُ أن أفارقَ القادريةَ، ولكن بَدأتْ أحاديثُ النَّفس وخواطرُ الأفكار تنتابُ عليّ بحيث أقدم رجلا وأؤخر أخرى.
بدأت أقرأ حاشية الباجوري ([6]) على ابن القاسم على الشيخ عبدِ الشكور ([7]) – رحمه الله – أحدِ أفراد مشيخة الأحمدية، فرأيت – حال نومي في إحدى ليالي – وأنا أقرأ قولَه تعالى: [وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ] ([8]) على شيخي عبد الشكور، وكانت الآية مكتوبة على لوح من ألواح الكتاتيب المَعْهُودة آنذاك، فرويتُ القصةَ للشيخ، فقال لي: سَتَتَحَوَّلُ مِن فِكْرةٍ كنتَ تَعْتَنِقُها إلى فِكرةٍ أخرى.
بدأتُ أنسحِب مِن مسجد القادرية شيئاً فشيئاً، وإن كان ثقيلا عليَّ، لأنه كان لي فيه زملاء ٌ طالت صحبتنا، ولأنه كان مسجدًا عامرًا بالدروس والحركة والنشاطات المتنوعة من الرحلة إلى المقابر. وهو يتمتع بإدارة قوية، إذ كان الشيخُ يوسف بن إبراهيم ماهرًا في التنظيم والإدارة، وبما أنه لم يكن ينتسب إلى سُكَّانِ البلدِ أجال نظراته على تلاميذه؛ فأسند إليهم الوَظائفَ حَسَب تركيب السُكَّان فعيّن الشيخَ ” أبابكر ابن القاضي عبد الله الحسني ([9])” إماماً للمسجد. والشيخَ ” آدم “خطيبا للجمعة” والشيخَ ” جامع بن أحمد نور السُليْماني” مسئولاً للأنشطةِ وجمعِ التَّبَرُّعاتِ وتنظيم الرحلات إلى الأضرحة، بينما أسند لصهره الشيخ ” معلم محمود بن معلم حسن اليبرطيري” نائبا له…. وبهذا التَّنظيم استطاع أن يتغلّب على خَصمه الشيخ ” عبد بن محمود الحسني” شيخ الطريقة الأحمدية الذي كان يَتَمَتَّعُ بِوَفرة قبيلته القَاطنَة في المنْطقة إلّا أنه دخل في نزاع مع زعماء العشائر وقادة القبائل فَور وصوله إلى المنطقة من مدينة ” مَرْكة ([10])” التي بقي فيها أكثر من عشرين عاما يطلب من خلالها العلم الشرعيّ.
الحلقة 3 من صفحات حياة بقل صوم
انفصال صلاد وصاحبه
 
الشيخ لما وصل المدينة من “مَرْكَا” وكان له هيبة وعلم وعقل راجح لم يرض ذلك زعماء العشائر، وعرفاء القبائل في المنطقة، إذ اعتقدوا بأنه سطا على سلطتهم وبأنه يريد أن يحتكر لنفسه زعامتي الدينيّة والعريفيّة، مما جعل العريف” صلاد بن حسن” يتذمر بتصرفات الشيخ، وكان يختلف مع الشيخ في عدة قضايا فكرية وسياسية، إذ كان صلاد يسوس أتباعه بأعراف موروثة، وتقاليد تقترب أحيانا وتبتعد طورا عن أحكام الشريعة، فلما جاء الشيخ رجع الخصومات إلى مسائل فقهية، ونصوص شرعية، مما أعطى به ثقة المجتمع، وأغاظ العريف صلاد، حتى جمع الأخير وجهاء العشيرة في يوم مشهود، واشتكى على الشيخ بأنه استأثر لنفسه منصبي الشيخوخة وزعامة القبيلة، فعلى الشيخ أن يختار أحد المنصبين ما يروق له ويتنازل عن الآخر! ثم انبرى له الشيخ قائلا: لقد اخترت منصب العريفة، ثم نفض ثوبه وقال: يا شيخوخة التحقي بصلاد بن حسن! ثم ضحك قائلا والله لن تصل إلى منصب الشيخوخة حتى تسودّ قدماك لطول ما تجلس في حلقات العلم وتثفن الفقهاء، وتدرس العلوم الشرعية في زمن طويل!
وبعد هذا الاجماع الذي حسم مسألة الخلاف بين الشيخ “عبد” وبين “صلاد حسن” فقد الشيخ زعيمين مهمين وهما “نوري أودين” و”صلاد بن حسن” لأنهما تحولا من الطريقة الأحمدية إلى الطريقة القادرية، ووجدا عند الشيخ “يوسف” شيخ الطريقة القادرية في المنطقة صدرا رحبا وزعامة مضمونة.
الانتقال من مسجد معمور إلى خال:
الإقلاع عن مسجد معمور بحلقات علمية متنوعة، ومناشط متعددة، وحركات دؤوبة كمسجد القادرية إلى مسجد خال عن الحركة كمسجد الأحمدية كان عزيزا على النفس، صعبا على الشخص، ولكن إرضاء المعلم والنزول عند رغبته كان لا مفر منه؛ ولذلك بدأت أحضر الصلوات في المسجد الأحمدية، خاصة عند وجود المعلم ليراني، وأتحين حضور المسجد حين وجود الشيخ ليراني.
وكان جل الذين في المسجد الأحمدية شيوخا طعنوا في السن، الذين قعدوا عن الأعمال، وعندهم أوقات زائدة يريدون أن يقضوا بها في المسجد، ويتعبدوا فيه.
كنت أجلس مع هؤلاء الشيوخ وكنت أجد متعة بما يسردون به من القصص المتنوعة، والتجارب الكثيرة التي مرت بهم، وأحاديث الطريقة الأحمدية. وكنت أجد متعة خاصة عندما يتحدثون عن القصص النادرة، والمواقف المبهرة للجاج الولي ” آدم بن حسن” رحمه الله تعالى، وخاصة في حادثة “هبيا” عند ما أُحرقت مدرسته، وأُخرج مكبلا من مدينة هبيا. وقد أنشد الحسني في ذلك قصيدة. ([11]).
 وقصص “الحاج آدم حسن” وآثاره التي تركها، معين لا ينفد، وحدث جدير بأن يولى إليه اهتمام كبير، ويخلد في بطون الكتب والدواوين.
ومن هؤلاء العلماء الكبار الذين كانوا يغمروننا بأحاديثهم العذبة، الشيخُ: محمد مالن دُبله” رحمه الله، وكان قد رافق مع “الحاج آدم” وأخذ عنه العلم والحكمة، ولذلك كان يقص علينا ما رأته عينه، وسمعته أذنه، ووعاه قلبه.
وكان منهم ” الشيخ: نور نغييه” الذي رافق مع الشيخ عبد في رحلته العلمية إلى مدينة “مَركَا”.
وكذلك المسن ” محمود ليبان” الذي متّعه الله بعمر مديد وعقل راجح، وغيرهم الكثير الكثير.
 
وفات الشيخ رحمه الله تعالى
وفي ذلك الزمن توفي الشيخ عبد بن محمود شيخ الطريقة الأحمدية – رحمه الله تعالى – وبعد موته تحسن حال المسجد، إذ نظمت فيه حلقات لتحفيظ القرآن، وسبع دائم، ([12]) وأقيمت فيه صلاة الجمعة، وصرت خطيبه.وهكذا تدريجيا اطمأننت إلى مسجد الأحمدية، بل انقطعت له كليا فيما بعد ذلك، وصرت عضوا فعّالا منه، أحضر حلقاته وأشارك سبعه وغير ذلك من الأنشطة المختلفة.
ثم لما لاح لي الطريق، بدأت أنتقد الطريقة القادرية التي ترعرعت فيها، وتوغلت في خباياها، وجربت رجالها وسلاسلها، وكنت أجتمع مع زملائي القدماء في الطريقة القادرية، وكننا نستعرض الطريقة وحقيقتها، وكانوا يقفون موقف محام ومدافع، وكنت أناظرهم وأفحمهم بما لدي من معرفة تامّة للطريقة، وعيوبها وبدعها وشطحاتها بل وخرافاتها المتنوعة مثل ما كان متواترا عندهم أن شيخنا قال: أن الكعبة ستُنقل إلى طوسمريب، فسأله الطلاب يا شيخنا لا تستغني الكعبة عن قبر النبي صلى الله وسلم فماذا يكون مصيره؟ فقال: سيلحق به الكعبة. ومثل ما هو مسطر في كتاب “الجوهر النفيس”  المنقبة التاسعة والأربعون: بأن الشيخ كان يتحول إلى “حية كبيرة لا يستطيع أحد أن ينظر إليها” وكذلك ما هو مدون في كتاب جلاء العينين في المنقبة الرابعة والخمسون ” أخبرني رجل من المحبين له – للشيخ – أنه قال: قد توفي يوما تلميذ له من أهل طارود، وكان يخدمه، فلما دفن اضطرب القبر وارتفع منه صياح والشيخ يقرأ عليه التلقين، فتفرقت التلاميذه فزعا مما وقع من اضطراب القبر، فجلس الشيخ مكانه، وانجذب حتى حين، وكان بقي معه تلميذه عبد القادر الملقب بمامزيلي، فلما أفاق قيل له إيش هذا؟ قال: إن طارود أهل حده حتى في القبر يجادل الملكين، لأنه لما سئل قال: شيخي عبد القادر وأويس القادري فتشفعنا له”([13]) وغيرها الكثيرة مما ينسف أبجديات الدين، وأصول العقيدة عند المسلمين، ويعرفه كل عاقل أنه إلغاء الحجا وتعد على الثوابت.
فلما يئسوا عن مناظرتي، ولم يقدروا على مقارعة الحجة بالحجة أحجموا عن مسائلتي، وبدؤوا يهددونني بالضرب والقتل إن تكلمت على الطريقة وأخطائها الشرعية والعقلية.
تحريف الأشعار
كان لي ابن عمة ترعرعنا معا، وكان يسكن معي في غرفة واحدة، وكان هو زميلي في الطريقة القادرية، وكان له دفتر نسجل فيه أشعار الطريقة كحادية الأرواح وغيرها، وكان من ضمنها هذه الأبيات:
هلموا هلموا يا عشاق إلى الهدى
فطوبى لأهل القادية احضروا
سلام الله يا أهل القادري
     وأنتم على خير وأعلى المنازل
وفي غيابه انفردتُ الكراسة فحرفت الأبيات هكذا:
 هلموا هلموا يا عشاق إلى الضلال
          فالنار لأهل القادرية احضروا
شر الله عليكم يا أهل القادري
      وأنتم على شر وسفلى المنازل
فهرول ابن عمتي الكراسة إلى محفل الطريقة؛ فأراهم الكرّاسة والأشعار وما فعل فيها من أفاعيل التحريف والتبديل، فبدأوا يتلمظون حنقا، ثم تشاوروا فأجمعوا على وجوب ضربي وتأديبي، إلا أن عمتي تدخل وترجى منهم أن لا ينفذوا تهديداتهم هذه المرّة، لأنه قد يترتب عليه فتنة لا يمكن التنبؤ آثارها، فوافقوا على إرجاء العقوبة شريطة أن ينقل إليّ تهديدا شديد اللهجة إن تسولت لي نفسي مثل هذه الأفعال مرة أخرى.
حادثة الجمعة
    وفي آخر الأسبوع عدنا إلى المدينة، وأصحاب الطريقة القادرية قد حبكوا خيوط مكرهم، وتعاهدوا على اتخاذ الإجراءات اللازمة ضده؛ كيلا يحل عليهم ما حل عليهم في الجمعة الماضية، كان ” المعلم عبد الله السليماني” ـ حسب ما يقال ـ هو الذي تولى كبر هذه المؤامرة وأشرف عليها، وتأكد مفعوليّتها، إذ أنه جهز عددا من الشباب خاصة الأقوياء الأغمار منهم في الصف الأول من المسجد وعند المحراب، ليأدوا واجبهم من ضرب الداعية (بقل صوم) إن تسولت له نفسه أن يعتلي منبر المسجد كما فعل سالفا
 الإعمال بالأيادي
 وشاء الله أن برز الشاب الداعية من بين صفوف المصلين، يخال كأنه ظل يتحرك لنحافته، فيمم وجهه نحو المنبر فلما اعتلاه، استهل حديثه بخطبة الحاجة الثابتة عن نبينا محمد صلي الله عليه وسلم وفي خلال سرده تسابقت إليه الأيادي وجاءت الأكف إليه من كل صوب وحدب، حتى دحرجوه من أعلى المنبر إلى صعيد المسجد، وفي خلال تنقلاته كانت الأيادي في شغل، هذا يصفعه، وهذا يغمزه، وهذا يكزه، حتى إذا سقط على الأرض، تكالب عليه الناس حتى جُر من بين الجموع المُكفَهرّة العابسة وهو في حال خطرٍ بحيث كاد أن يموت بحبس التنفس.
تقبيل الأكف
 والغريب في الأمر أن مريدي الطريقة بدأوا يتسابقون إلى تقبيل الأيادي الصافعة، والأكف الآثمة، وذلك باعتقاد منهم بأن اليد النائلة بإيذاء بدعيّ مباركة تستحق أن تتبرك، وخصوا تبركا وتقبيلا زائدا بكف “عبد الولي اليَبَرطَوْرْكَعِي” الذي يقال: إنه ضرب الداعية بقوة.
وأذاعت الطريقة بوسائلها المتنوعة بأن الداعية “بقل صوم” بدعي يستحق الضرب والتأديب ومنع الكلام والخطابة، لأن الطريقة تعتقد باستغاثة الأموات، وتتضرع للخلق كما تتضرع للخالق، وكما تعتقد بأن الله يسمعها كذلك تعتقد بأن الأموات تسمعها، بل تسوي بين الله وبين خلقه فهاك نتفا من أشعارها ونثرياتها الدالة على ما قلنا
قال الشيخ عبد الله وهو يتحدث عن شيخه:
هو شيخ كل عالم وعارف مكرم
             هو شيخ ملك وجن ثم كل المُقْرَم
هو نجل حسين من دعا بغوث الأعظم
                   يجد له مطلوبه ولو ببحر القُلزُم
هذه الأبيات وغيرها الكثيرة تدل دلالة واضحة إلى أنه يذهبون بأن الأولياء تتصرف في هذا الكون فمن نادى بها يجد في الحال قضاء حاجته! بل ذكر في شرحه الأبيات المذكورة بأن يد الشيخ عبد القادر الجيلاني تدور حول العالم وأنه مع تلميذه حيث كان، حتى وإن كان في المغرب والشيخ في المشرق، فإنه يقضي له حاجته، وإن كشفت له عورة مدد يده من المشرق وسترتها! ألا تستغرب طول يد الشيخ!” قال: “وعزة ربي لأقفنّ يوم القيامة على باب جهنّم حتى يعبرها كل مريد لي، فإن الله تعالى أعطاني ألا يدخل لي مريد النار. وقد أخذت العهد على منكر ونكير أن لا يروّعا مريدا لي في القبر “([14]). ” وجاءه ـ الشيخ عبد القادر ـ الخطاب مرارا من الله العزيز، وقال تعالى في آخر الخطاب :”جعلت اسماءك مثل اسمائي في الثواب والتأثير، ومن قرأ اسما من أسمائك فهو كمن قرأ اسما من أسمائي” ثم قال: “والشيخ الجيلاني ” من المشايخ الأربعة الذين يتصرفون في قبورهم كتصرفهم في حياتهم إلى يوم القيامة”([15])
 مثل هذه الأفكار كان الداعية ينكر عليهم، وبالتالي بدَّعوه، ليشهوا سمعته، لكيلا يسمع منه الشعبُ التوحيدَ الخالص لله تعالى الذي يدعو إليه، ومما قال رحمه الله تعالى:
قال تعالى: ’’ فذكر إن نفعتِ الذكرى، سيذكر مَن يخشى” أمر الله سبحانه وتعالى رسوله صلى الله عليه وسلم في كتابه المنزل أن يذكر الناس ويعظهم، وخاصة هؤلاء الذين يستفيدون عن التذكير، وينفعهم الوعظ، أمره الله  أن يدعوهم إلى المعروف وينهاهم عن المنكر، ثم بين سبحانه في وحيه الذين ينفهم القول وتلين أفئدتهم بالوعظ، وتعمل جوارحهم لدين الله، أنهم الذين يخشون ربهم، ويعلمون أن ورائهم عذاب شديد، كل أحد يخشى الله وما أعده من العذاب في القبر وفي غيره، فإنه يستجيب لنداء الله بكل سهولة، ثم بين سبحانه أن كل شخص عديم الخير الذي ليس له عقل ولا علم، وليس له سمع يسمع به الحق، وليس له بصر يبصر به الحقيقة، فإنه يفر عن سماع الحق، وهو من أهل النار، يقول سبحانه وتعالى: ” ويتجنبها الأشقى” يبتعد عن النصيحة إذا دعي إلى وحدانية الله، ويموت كمدا إذا ذكر الله وحده، وإذا دعي إلى سنة رسول الله يتذمر بها كل شقي الذي وجبت له النار، قائلا: مُنعتُ عن عاداتي وتقاليدي، والشقي هو الذي ” يصلى النار الكبرى” وأهل النار ـ عياذا بالله ـ “لا يموتون فيها ولا يحيون” وهذا يتناول كل من يستكبر عن آيات الله، ويقابل سنة الرسول صلى الله عليه بالرفض والإعراض.(([16]
  • – هو مسجد الشيخ عبد دبادي رحمه الله تعالى.[1]
  • [2] – الرحمانية أو الأحمدية هي إحدى الطرق الصوفية التي كانت منتشرة في الصومال، خاصة من وسط الوطن إلى حدود كينيا، وهي إحدى فرعي الطريقة الإدريسية وسميت بهذا الاسم نسبة إلى أحمد بن إدريس المغربي. ومازال منها بقايا في الصومال، وكان الشيخ علي ميّة هو الذي لعب دورا بارزا في نشرها، وكانت أقرب الطرق إلى التوحيد وروح الدين؛ لذا صار رجالها أول المستجيبين لعلماء التوحيد ونبذ الخرافات والبدع حين وصلوا إلى المنطقة، وصاحوا صيحاتهم التصحيحية التي أيقظت عددا غفيرا من المجتمع، جزاهم ربهم عنا خير الجزاء.
 [3] – الطريقة القادرية: من غلاة الصوفية، تؤمن بوحدة الوجود، وتنتهج منهج الحلاج وابن عربي والشعراني.
[4]  – والكتاب مشهور بأبي شجاع، ألفه أحمد بن الحسين الأصبهاني الشافعي – رحمه الله.
[5] –  ألفه عبد الله بن عمر الحضرمي – رحمه الله.
[6] – هو الشيخ: إبراهيم بن محمد بن أحمد الباجوري، تولى مشيخة الأزهر من عام 1847- 1860.
[7] – هو الشيخ عبد الشكور الشيخ محمود يحي توفي عام 1984.
[8] – القرآن الكريم، سورة الأحقاف، جزء من الآية 29.
[9] – هو ابن القاضي عبد الله المشهور وقد تولى القضاء في علبور، وكان من علماء الطريقة الأحمدية ولكن ولده صار قادريا.
[10]  – مركة هي مدينة عريقة تطل على ساحل المحيط الهندي، وتبعد عن العاصمة 92 كم.
[11]– ومما قال:
وفي شتوي هبوب رياحه *** وعند تدفق لمياه أجاجه
أجيد إذ أضاء سنا لنوره *** وهبيالي أكان كمثل رميه
صُخيرا أم له أمدا بعيده *** هناك جرت معنا قضية
توارثها أكابرنا رواية *** ثقات رجالهم فلا تباله
خلاصتها تقول على وجنده *** وهم ولدي وسلحنه أيا له
طغاة مالهم مثل تعاسة *** وحضروا مساكننا هويه
تحيات الإله على ضحية *** ومن سقطوا على جريمتهم ظليمة
وفي ضحى النهار وبعض قومنا *** جلوس في ظلال شجيرة
حكا علي أيا هبرو أهلا *** تفضلتم بقدر جلد ظبية
لأرض خالقه حبا وزينة *** وقال عريفهم وهيا عطية
وإكرام الغريب لدى هوية *** أروم لم تجد بدلا شهية
وضحكا حرك الأرجا ومسرورة*** وأبدأ ما خفي وستر وقهقه
ونادى إذ حشر تشيّدن قصوره*** محثحثا جنده وأعوانه
وأرضا بين قومنا وحاوية *** ستشهدن حروبا ما لها يده
وقور جلده فجعل حبالا *** وقـاس به مناطقا أطالـه
………..
[12] – تسبيع القرآن يعني أن يقسم القرآن على سبعة أقسام بأسماء الأسبوع، ليختمه الحافظ في كل أسبوع مرة.
[13] – أنظر بالتفصيل كتاب “جلاء العينين” ص-41
[14] ـ المجموعة القلنقولية: صـ ١٤١ـ١٤٥
[15] ـ أنظر المصدر السابق.
[16] ـ وسأكمل المحاضرة في ضمن محاضرات الداعية إن شاء الله.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

← مقالات