دلمر وولده في مفترق الطرق

 دَلْمَرْ وولده على مفترق الطرق (1)

(قصة قصيرة)

اغتدى دَلْمَرْ إلى متجره الذي يبيع فيه الملابس، وقف أمامه ولده بقامته الممدودة، فألقى على والده السلام بكل حياء واحترام.

  • الوالد مالي أراك اليوم حزينا أسفا يا ولدي؟-

  • كيف لا أحزن يا أبت وأوضاع بلدنا آلت إلى ما نحن فيه، ألا ترى أنه يُسحق شعبنا بلا سبب، وأنهم يُحرقون بلا جريرة، أمس قتل عمي بدم بارد وهو واقف أمام متجره، لم يرتكب أي جريمة، ولم يذكر أحدا بسوء، وكما تعرف فإن عمي كان رجلا مسالما مسامحا، يحبه المساكين والفقراء لأنه من أهل النجدة والإحسان، والبر والصدقات، ومع هذا لم يَسلم عن هذا الظلم الذي فشا في البلد وعم الأرض وطم، بل ما هي جريرة هؤلاء الأطفال الرضع، والشيوخ الركع، والنساء الحمل، والقروي الساذج، ورعاة الإبل الرُحَّل، لماذا يُقتل هؤلاء بلا هوادة ولا رحمة! واليوم ذبح عدد كبير منهم ثم قطعوا إربا إربا تمثيلا وتمزيقا. يا أبت لا يتحمل هذا التعدي، إنسان يجري في عروقه دم، وما زالت فيه عين تطرف، وبطن الأرض خير لنا من ظاهرها إذا كنا لا نستطيع أن نرفع عن شعبنا هذا الظلم المشين، ولا نوقف حدا لهذا الاعتداء السافر يا والدي جئت اليوم لأستأذن منك لأنه وصل إلى سمعي أن “العقيد غُرْغُر” كوَّن معارضة مسلحة، وثوارا مدربة، وفتح جبهة ساخنة ترمي بإسقاط النظام، أو الحد من ظلمه، وكما لا يخفى عليك فإن “غُرغُر”رجل عنيد، له خبرة طويلة بالحرب، وله علاقة حميمة مع بعض دول المنطقة، وهذا كله يرجح كفة نجاحه، وتحقيق أهدافه، ولو بعد حين، ولذلك أطلب منك الإذن بالالتحاق به، ومشاركة العمل المسلح ضد النظام الغاشم.

يا ولدي العزيز وجميع ما ذكرتَ من أنواع الظلم وأزيد قد وقع على شعبنا ولا يزال يتجرع غصن هذا العدوان، ويزداد يوما بعد يوم، ولا تظهر في السماء سحابة خير، ولا بادرة عدل، والذي يظهر من التوقعات المستقبلية لا يبشر بخير، ويتراءى لي نظام غبي وشعب جاهل، لا يعرفون مصلحة الوطن، ولا تهمهم إلا كروشهم المتدلية، ومصالحهم القبلية الضيقة، على حساب تدمير البلد، وترويع الآمنين، وقطع السبل، يا ولدي الجور والظلم هو دأب الحكام المستبدين، الذين لا يحسبون أي حساب لقاء الله يوم الجزاء.

 وَالظّلمُ من شِيَمِ النّفوسِ فإن تجدْ     ذا عِفّةٍ فَلِعِلّةٍ لا يَظْلِمُ

وَمن البَليّةِ عَذْلُ مَن لا يَرْعَوي     عَن جَهِلِهِ وَخِطابُ مَن لا يَفهَمُ

 ثم يا ابني: إن هذه الحرب التي تدور رحاها في أطراف البلد ما هي إلا حرب فتنة، لا تزيد للبلد إلا تخريبا، ولا للأرواح إلا تزهيقا، ولا للشعب إلا تشريدا، فإن الصبر على ظلم هذا الحاكم ومساعديه خير وأرجح من حمل السلاح في وجهه، فالحاكم هو شخص له أجل محدود سيرتحل عن الدنيا يوما من الأيام، ويترك الوطن سليما معافا، أما إذا قاتلتموه فإنكم ستسفكون دماء الأبرياء، وتكونون سببا لاستباحة أعراض محرمة، وأموال محترمة، تكون شؤما عليكم في الدنيا والآخرة، وتحملون نتيجتها يوم القيامة، ستكونون كمن يحاول علاج الزكام فأحدث جذاما.

  •  يا أبت كلامك هذا يتضمن أن نستسلم للظلم، وأن يستعبدنا بنو فلان، ليس من ماتَ فاستراحَ بميتٍ.. إِنما الميتُ ميتُ الأحياءِ الذين يحيون بذل وهوان، من أعطاهم حق الظلم والعدوان، وفرض علينا تسليم الرقاب إليهم يفعلون بنا ما يشاؤون كأننا أغنام آبائهم وأجداهم. الحياة مع الذل هو الموت بعينه.

وظلـم ذوي القربى أشدُّ مضاضة     على المرء من وقع الحسام المهند.

  • يا ولدي كأني أراك مندفعا إلى هذه الحروب التي لا جدوى فيها إلا الدمار، وأرى حماسك بعيدا كل البعد عن التعقل والحكمة، والعدل والشرع، كلامك يشبه عنتريات الجاهلية الأولى، التي لا تعرف شرفا سوى سفك الدماء، واشتعال فتير الحروب، وإخراج الناس من ديارهم وأوطانهم لأسباب تافهة.

أرى تحت الرماد وميض جمر .. ويوشك أن يكون له ضرام
فإن النار بالعودين تُذكى .. وإن الحرب مبدؤها كلام
فإن لم يطفها عقلاء قوم .. يكون وقودها جثث وهام

قال عمرو بن الخطاب رضي الله عنه لعمرو بن معد يكرب: صف لنا الحرب، قال: مرة المذاق، إذا كشفت عن ساق.. ثم أنشأ يقول:
الحرب أول ما تكون فتية … تسعى بزينتها لكل جهول
حتى إذا حميت وشب ضرامها … عادت عجوزاً ذات خليل
شمطاء جزت رأسها وتنكرت … مكروهة للثم والتقبيل

 و الله أخرجنا من ظلمات الجهل، وأذهب عنّا فخر الجاهلية، وعصبية القبلية، نحن – والحمد لله- مسلمون، والمسلم مَن سلم المسلمون مِن لسانه ويده، ثم إن هناك عدة خيارات سلمية لا تدمر البلد، ولا تكلف خسارة للأرواح والأمول، يمكن الجنوح إليها لإخراج البلد عن الوهدة التي وقع فيها، والرأي عند العقلاء أبلغ من القتال، وأضمن للعاقبة.