دار البرزخ الحلقة الأولى

 دار البرزخ

كُتب على الإنسان سير مستمر، وتنقل دائم من طور إلى طور، {لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَن طَبَق} حتى يضع عصى الترحال في دار القرار، فرحلة الإنسان تبدأ من عالم الأجنة، إلى عالم الدنيا، ومن عالم الدنيا إلى عالم البرزخ، ومنه إلى دار القرار، والحديث هنا: دار البرزخ وطبيعتها.

دار البرزخ: هي تلك الدار التي ينتقل إليها كل إنسان وهو لم يُستشر إليه متى يزورها وكيف يزورها، ثم ينتقل منها إلى دار القرار إما إلى الجنة وإما إلى النار، هذه الدور الأربع كل واحدة منها لها طبيعتها الخاصة، ومميزاتها التي لا تشاركها الدار الأخرى.

فدار الدنيا الإحساس يكون للجسد أولا ثم يفيض على الروح، الجسد هو المسيطر على الروح؛ ولذلك تكون المحاسبة على حسب ما يفعله الجسد من خير أو شر، لا على حسب ما تفعله الروح، فمثلا الخواطر والهواجس وغيرها لا يؤخذ للإنسان فيها.

أما في حياة البرزخ فيكون الأمر على عكس ذلك، إذ السيطرة تكون للروح لا للجسد، فالنفس هي المهيمنة والمتصرفة، وهي التي تتلقى النعمة أو العذاب أولا ثم يفيض ذلك إلى الجسد والبدن.

 الأرواح هي التي تصعد إلى السماء وتنزل إلى الأرض والجسد مجندل في الأرض لا يتحرك، وبعد تعاقب الأزمان سيضمحل -إلا من شاء الله – فلا يبقى منه شيء إلا عجب الذنب فمنه يركب الخلق. فمثلا إذا كان الإنسان نائما ربما تنطلق روحه وترفرف في علياء السماء، فتصادف نعمة وسرورا فتشعره الروح، أو يصادفها عذاب وآلام فتحسها الروح.

وربما لا يتحمل الروح هذا العذاب أو ذلك السرور فيتأثر به الجسد فيصرخ جسد النائم أو يضحك، وربما يقوم من نومه فزعا هائما والنفس غائبة ولا يشعر. ومن رحمة الله سبحانه أنه أتاح لنا في هذه الحياة نماذج وأمثلة نقيس بها على بعض أمور الغيب، ومنحنا ربنا دلالات وشواهد نستدل بها على الأمور المحجوبة عنا تفاصيلها.

أما في دار القرار فالروح والجسد متعادلان لا سيطرة لأحدهما على الآخر، يشعران النعم على قدم المساوات كما يحسان العذاب على سواء.

دار البرزخ: نعني الزمن الذي يكون من الموت إلى نفخ الصور. فالآية التي هي أصل في ذكر دار البرزخ هي قوله تعالى {حَتَّى إِذَا جَاء أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُون}[المؤمنون * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلاَّ إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِن وَرَائِهِم بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُون}[المؤمنون } فإذا نزلت عساكر الموت على كل أحد وأيقن الرحيل عن هذه الحياة عندئذ يقول: رب ارجعون وهو يعظم ربه من خلال ندائه بضمير العظمة المشبه بالجمع، فيطلب إتاحة فرصة للعودة إلى حياة الدنيا، ليتصرف فيها تصرفا يخالف ما كان يفعل فيها قبل نزول الموت عليه، ويريد أن يعمل عملا صاحا بدل اللعب واللهو، لكنه يفاجأ بالنفي والرفض، وأن طلبه لا يتعدى كونه كلمة جوفاء ذهبت مع أدراج الرياح، وأن الفرصة فات أوانها وأنها ولا تتكرر. ” كَلاَّ إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا.”

وأمامه ستر وحجاب إلى البعث والنشور. إذن البرزخ هو من الموت إلى البعث، ويختلف طولا وقصرا حسب موت الإنسان، والذين ماتوا قديما يطول معهم البقاء في البرزخ أما الذين ماتوا عند نفخ الصور في وقت متأخر فإنهم يمكثون في عالم الأجداث فترة ليست بطويلة.

قال الضحاك: البرزخ” حاجز بين الموت والبعث” وقال مجاهد: البرزخ” والحاجز بين الموت والرجوع الى الدنيا “

طلب العودة إلى الدنيا ليس حكرا على الكفار بل كل مقصر، وكل عاص، يطلب ذلك. بدليل الآية الأخرى في “المنافقون” وَأَنفِقُوا مِن مَّا رَزَقْنَاكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلاَ أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مِّنَ الصَّالِحِين}[المنافقون ” فهذه الآية خطاب للمؤمنين فيهاب منهم الرب أن ينفقوا شيئا مما حباهم الرب من الأموال وغيرها، فمن رحمته سبحانه وإحسانه أن يعطينا من فضله ثم يطلب منا أن ننفق ذلك في مرضاته ومحابه، قبل أن يغرنا الموت فنطلب التأخير إلى أجل قريب – لا البعيد – لنتصدق أموالنا ونتمنى أن نكون من الصالحين، لكن الله وضع قاعدة حاسمة، ونظاما عاما لا محاباة فيه ولا الاستثناءات فيه ” وَلَن يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاء أَجَلُهَا ” والنكرة في سياق النفي تعم على جميع الكائنات.فيجب على العاقل الآن قبل فوات الأوان، وقبل أن يطلب مستحيلا أن يعتبر نفسه الآن كأنه أعطي مهلة، فيعتبر بمن مضى من أقرانه وزملائه فإمهاله بعدهم يعتبر منحة وتأخيرا من الله ” أولم نعمركم …. كان بعض السلف يدخل في قبر ثم يقول: رجعتُ من القبر وأعطيتُ فرصة فيصحح مساره.