تصور فاسد في حقل الدعوة

تصور فاسد في حقل الدعوة

 

بعض الناس يربط نصر الإسلام بمصير الأشخاص، والجماعات والأحزاب، فيتوهم بأن انتشار الإسلام واستمراره مرهون بوجود علان أو فلان، أو ببقاء جماعة فلانية وعلانية، فإذا أصيب ذلك الشخص الذي تصور بأن مستقبل الإسلام مرهون بوجوده أكثر الضجيج وأقام الدنيا وما أقعدها، وأكثر التنظير بأن الإسلام ذهب، وأن الحق ضاع وتلاشى، ولاتقوم له قائمة، وكأنه إختزل الإسلام بهذه الطائفة أو تلك الجماعة، وربما يقمَّص الإسلام بعلان أو فلان، فوجوده يعني وجود الإسلام وازدهاره، وذهابه يعني ذهاب الإسلام واضمحلاله، وربما يطيل ذكر ما لتك الجماعة من يد بيضاء على الإسلام ونشره، وما قدّموا من خدمات جليلة، وانجازات عظيمة للإسلام وأهله، وأنه لا يمكن أن يُستغنى عنها وأنه لا يوجد عوض عن جماعته ومنهجها، ونتج عن هذا التصور الفاسد عدة نتائج العملية في الحياة الدعوية منها:

1ـ إحتكار بعض الأشخاص على قيادة الدعوة، وعدم توسيع المجال للآخرين، وتهدير طاقة الجيل الساعد، الذي كان من المفروض أن يجد ساحة للتدرب، ومجالا لإظهار قدراته ومهاراته الدعوية والإنتفاعية. وإذا كان الكبار لا يقبلون المشاركة الصغار، ويتشائمون كل من يقترب منهم أو يحوم حولهم، ويتوهمون أنه خطر على منصبهم وعرشهم، وبالتالي يحاولون إسقاطه ، وحرق بطاقاته، وتكبير عثراته، ونفخ زلاته، للاستغلال على عدم خبرة هؤلاء الجدد في ساحة الدعوة، وهل يتعلم الصغير المشي والحركة حتى يتعثر، ويقوم مرة ويسقط أخرى، أليس كل واحد منا في بداية تعلمه الكتابة عاني صعوبة الكتابة وبعد التدريب والترويض إنقادت له ناصية الكتابة! أليس كل منا في بداية تعلمه السياقة كان يعتقد بأنه لن يتقنها فإذا هي تتحول عنده إلى ذوق وراحة! وهل يمكن أن نكتسب الخبرة الا عبر أخطائنا وهفواتنا.” ومن لا يخطأ لا يتعلم” وقد صدق معلم البشرية صلى الله وسلم حيث قال: ” كل ابن آدم خطاء”([1]) وصيغة المبالغة ” فعّال” تدل على تكرر الخطأ منهم، وكل خطأ يستخلصون منه دروسا، وكل هفوة تصقل مواهبهم، وتحرك مشاعرهم، وتثير وجدانهم، وتفرض عليهم بحث الحلول والبدائل، والتوبة والمراجعة،  فإذا ركد الماء فسد، وإذا جرى صفا، ” والحاجة أم الإختراع”.

2ـ السخرية والشماتة من الصغار والجيل البديل، فإذا بدرت منهم زلة في طريق محاولتهم فإذا بعض الكبار لهم بالمرصاد، بالنقد اللاذع، والهجوم الساقط، بدل مساعتهم وتعليمهم، وإقالة عثراتهم، أو التغافل عن أخطائهم، لأن رسولهم الرؤوف قال : ” رفع عن أمتي الخطأ والنسيان..”([2]) أليسوا من أمة الإجابة؟ أليسوا في مجال التدرب والدربة؟ قرأت لأحد الدعاة ـ وهو يضحك من عمق نفسه ـ عندما وقف على جنب متدرب ومتعلم أخذ صحيحُ البخاري لبّه ولبابه، قلبه وقالبه، وتفاعل معه تفاعلا يدل على أنّه تألقم مع الكتاب، وغاص في عمق مسائله! لأن الطالب الناجح هو الذي يتلذذ بالعلم! ففي أيام تعلمنا ذكروا لنا أن طالبا سمع من شيخ وهو يتحدث عن الجنة ونعيمها، فقال الطالب: يا أيها الشيخ ” هل الجنة ألذّ من مطالعة الصاوي؟” لأنه وجد لذة فوق التصور بمطالعته بتفسير الصاوي، وبين صحيح البخاري والصاوي كما بين السماء ذات الرجع والأرض ذات الصدع، إذ الأول أصفى من ماء زلال، والثاني أكدر من طين لازب،  فقال ذلك الشيخ – مستهزءً به بدل التشجيع والثناء: أين تقرأ يا أبني؟ فأجاب بكل براءة: أقرؤ في” باب الحيض والنفاس”. فقال الكبير: مازلت في باب الحيض والعالم يحترق! أراك منهمكا في الكتاب كأنك تحلل المسائل السياسية العويصة!  لا يدري الشيخُ المسكين – غفر الله لنا وله – أهمية معرفة أحكام الحيض – كسائر أحكام الدين- وأن مسائل الحيض تترتب عليها كبار المسائل من الطلاق، والرجعة، والعدة، والبلوغ، والصوم، والصلاة.. وغيرها.

3- عدم ثقة الصغار ببعض الكبار، إذ الإنسان ذكي فطن يستطيع أن يميز بين شخص يعطي الإسلام بكل ما يملك من ماله ومهجته، كما كان الأولون من الصحابة والمنسجين على منوالهم الذين طبقوا عمليا أمره تعالى “وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله”([3]) فدفعوا في سبيل نشر الإسلام بكل ما ملكوا من أموال مع قلة حالهم، وصفر أيديهم، وأحيانا إذا لم يجدوا ما ينفقون في سبيل نشرِ الدعوة ” تفيض أعينهم من الدمع حزنا ألاّ يجدوا ما ينفقون”([4]) وبين شخص يأكل بالإسلام، ويتمول من الدعوة، فإذا نقص شيئ من راتبه الذي هو من خزانة الدعوة علّق الدعوة وتوقف عما كا يقدم عليه من إسهام نشر الدين وتعلل بعلل واهية مكشوفة لإنقطاعه عن ركب الدعوة، ونشر الفضيلة، وإذا ضُيِّف في ببيت متواضع، أو أُسكن في مسكن شعبي من خلال أدائه الدعوة تسمع كثرة شكاياته، وتأففاته المستمرة، وربما يشترط أن يؤجر له فندق ذو النجوم الأربع أو الخمس! وإذا دُعي إليه بطعام متواضع استخدم آخر فيتو فلا تصل إليه يده، ويدندن بقول الإمام الشافعي رحمه الله تعالى:

إن المعلم و الطبيب كلاهما …. لا ينصحان اذا هما لم يكرما.

فالتكريم عنده يعني الماديات، من الأثمان، والأطعمة… وغيرها

بينما خير من وطأ على الثرى قال: ” لَودُعِيتُ إِلى كُرَاعٍ لأَجَبْتُ، وَلو أُهْدِيَ إليَّ كُرَاعٌ لَقَبِلتُ”([5]). فالكبير الأول يصلح أن يكون مربيا يؤثر بالصغار، ويدربهم من خلال سلوكياته قبل أقواله، ويورثهم تقوى وإيمانا، وورعا وزهدا، وتغلغل محبته في سويداء قلوب الصغار، فيلتهجون له بالدعاء بعد موته.

وأما الكبير الآخر فكلامه لا يصل إلى القلوب، ولا يهذب سلوكيات التلاميذ، لأن المتعلم يضع عين الاعتبار بتصرفات الشيخ قبل الأخذ بقوله، وبالتالي لا يملك أزمّة قلوب أتباعه!

ومجمل الكلام أن الله لم يربط انتشار الإسلام بحياة الرسل والأنبياء ناهيك عن من دونهم كما قال المولى: “فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ ۚ فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ” ([6]) وأما أكثر الأنبياء والرسل والصالحين الذين تحققت أحلامهم بعد وفاتهم، وأنتشر الخير وعمَّ بعد رحيلهم.

 أخرجه الترمذي، وابن ماجه، وهو حديث حسن كما في السلسلة الصحيحة.[1]

[2] – حيث حسن، أخرجه ابن ماجه، والبيهقي.

– جزء من آية وردت في عدة أماكن من القرآن.[3]

[4] – سورة التوبة، الآية 92

[5] – أخرجه البخاري في صحيحه.

– سورة غافر، الآية 77[6]