بين عالم منكوس ودعاة مشغولة

بين عالم منكوس ودعاة مشغولة

الله سبحانه و تعالى عندما خلق البشر أعطى كل فرد منه مميزات ينفرد بها، ونعما خُصٌ به، ذاك خُصَّ بذاكرة قوية، وذلك أُلهِم بحفظ خارق، وآخر رزق بتفكير عميق يستطيع من خلاله أن يسبر غور الأشياء البعيدة عن أطراف الذاكرة، وآخرون ذُلل لهم طرقُ التكَسب فصاروا أثرياء العالم، وآخرون حُببوا العلم، ففجروا ينابيعه حتى سقوا العالم من معينه زُلالا، وأناس آخرون فضلوا بحمق في التفكير، وسطحية في الإدراك، وتهتُّك في الأخلاق، بينما منّ الله على أقوام آخرين بالحكمة، “ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا” فهذه الفروق الفردية تدلنا على قدرة الله تعالى الوالغة، وحكمته الباهرة.
ومع إدراكنا هذه الحقيقية، فإن البشرية لا تفقد توازنها، ولا يُخاف على سيرها الطبيعي مهما جمعت في طياتها متناقضات مترامية الأطراف، ومتباعدة الأدوار، مادامت الطبقة العاقلة في صدارة البشرية، والحكماء في مقدمة ركب القيادة، وتسوسهم بقاعدة” وضع الرجل المناسب في المكان المناسب”. أما إذا انعكس الأمر وصار السفيه في المقدمة، والعاقل في المؤخرة، والظالم في الريادة، والعادل المصلح يئن بأغلال ثقيلة، واللئيم يصول ويجول، والصالح مسجون ومكبول،
وأهل الشذوذ يُوسم بأجمل الألقاب كالنجوم، ويوزع عليهم أوسمة الشرف، ويُعطى ميدالية الامتياز مكافأة لهم في شذوذهم، بينما أهل العفة يضايقون ويقلدون نيشان الدعايات “أخرجوهم من قريتكم إنهم أناس يتطهرون” كما هو الواقع في العالم المعاصر، فعندئذ يتحول المعروف منكرا والمنكر معروفا، وتختل الموازين، وتنعكس الأمور، وترفع الرويبضة عقيرها، ويفقد العالم توازنه، ويتغير الذوق، وتتبلد المشاعر، ويكون اللئيم محط أنظار الأجيال القادمة، ينسجون على منواله، وينزلون معه في قعر التعاسة والنذالة، تذهب الحياء، وتضمحل المبادئ، وينزل كل شيء إلى قعر الفساد، لأن ميزان الصواب قد ضاع، وأن حسَّ النخوة قد ذاب، فتستساغ الأفكار المنحرفة، والعبارات النابذة، والسلوكيات الشاذة. عندها تعظم مسئولية الدعاة، وتتحتم مضاعفة الجهود، وتتوجب توحيد الصفوف لصدّ ذلك السيلَ الجارف، وكما يجب على المصلحين الوصول إلى مصادر القرارات، ومراكز القيادة، والقتال من جميع الجبهات، والاستخدام بجميع الوسائل المتاحة المشروعة لإبلاغ رسالة الله إلى عباد الله، وإصلاح ما أفسد الناس، ليكونوا – بحق – خير أمة أخرجت للناس.. 
يوسف أحمد محمد 
صباح الخميس ٢٩- ١١-٢٠١٨م

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

← غير مصنف