أخلاق المسلم في الغرب

أخلاق المسلم في الغرب

الحلقة الأولى

أنتم من أمة سباقة إلى الخيرات، أمارة بالمعروف نهاة عن المنكر، أنتم من أرومة رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه، فنصروا راية التوحيد، وأنقذوا الأمم من الحين والهلاك.

أنتم خير أمة أخرجت للناس لأنكم تقتفون أثر أفضل من وطأ على الثرى، محمد صلى الله عليه وسلم. الذي قال: “أنا سيد ولد آدم يوم القيامة” فإذا كان نبينا ص سيد ولد آدم فأمته سيدة الأمم وبالتالي استلمتم خدمة البشرية من الرسول ص، فإذا كان رسولك بعث إلى البشرية كافة ” وما أرسلناك إلى كافة للناس بشيرا ونذيرا” فعليك أن تزاول مهنة الأنبياء وميراث النبوة” لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة”

فإذا كان حبيبك صلى الله جعله الله على خلق عظيم، فعليك أن تنسج على منواله، فتكون على خلق عظيم.

وقال “ص” ” أنتم تتمون سبعين أمة، أنتم خيرها وأكرمها على الله”

وقال “ص” وجعلت أمتي خير الأمم”.

وقال “ص” خيركم من يرجى خيره، ويؤمن شره، وشركم من لا يرجى خيره، ولا يؤمن شره”

وقال “ص” أحب الناس إلى الله أنفعهم للناس، وأحب الأعمال إلى الله سرور تدخله على مسلم، أو تكشف عنه كربة، أو تطرد عنه جوعا، أو تقضي عنه دينا، ولأن أمشي مع أخي في حاجة أحب إليّ من أن أعتكف في المسجد شهرا… وإن سوء الخلق ليفسد العمل كما يفسد الخل العسل”

  • ـ سفينة المؤمن المغترب تجري بين الألغام، فلا بد أن يكون عنده، علم يدفع به الشبهات، وبصيرة يدعو بها الناس، وأن يكون عنده دين وخشية يتحصن به عن الشهوات.  وكتب العلماء السابقين طافحة بذكر الحقوق والمعاملات مع الكفار المقيمين في بلاد المسلمين، إذ كان الواقع آنذاك أن يتجاور الكفار مع المسلمين، ولكن في الآونة الأخيرة حدثت مسألة عكسية، وهي سكن طائفة من المسلمين في دار الكافرين تأبيدا أو تقييدا، وعليه ترتب على ذلك مسائل عملية كثيرة يجب نشرها، وتعليمها، ومذاكرتها، لتعيش الجالية في محيطها على علم وبصيرة:

أولها: الاستمساك بالدين في كل بيئة:

يقول الرسول صلى الله عليه وسلم’ ‘اتق الله حيثما كنت ’’ وتقوى الله تلازم العبد حيثما حل، وأينما كان، وتلازمه حتى في آخر الرمق، وفي آخر النفس، حتى يلقا ربه ” وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حيا” وقال تعالى آمرا رسوله صلى الله عليه وسلم الاستمرار على تشبث الحق في كل الظروف والزمان، ’’ واعبد ربك حتى يأتيك اليقين’ ‘قال القرطبي: والمراد استمرار العبادة مدة حياته. أهـ والمعلوم أن الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم خطاب لأمته.

 فالعيش في البيئة الغربية لا يقتضي استحلال الحرام من الربا والقمار وأكل الخنزير والميتة وغيرها من المعاملات المحرمة، ولا التنازل عن عقيدة الولاء والبراء، قال تعالى “يائها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كافة” أما من تعامل مع الدين بالانتقاء، ما وافق هواه أخذ وما خالف رده فهذا لم يدخل في الإسلام كافة، ولم يأخذ عرى الإيمان بجميعه، بل اتبع خطوات الشيطان” ولا تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدو مبين”

قال الإمام الشافعي رحمه الله تعالى” ومما يعقله المسلمون، ويجتمعون عليه: أن الحلال في دار الإسلام حلال في دار الكفر، والحرامَ في بلاد الإسلام حرام في بلاد الكفر.” وقال الماوردي” في الحاوي: فإذا تقرر أن الربا حرام، فلا فرق في تحريمه بين دار الإسلام ودار الحرب. وأن كل ما كان حراما في دار الإسلام كان حراما في دار الشرك، كسائر الفواحش والمعاصي.”.

فلا يجوز إلغاء الفارق بين الإسلام والكفر، والإيمان والشرك، والسنة والبدعة، قال تعالى: ” هو الذي خلقكم فمنكم كافر ومنكم مؤمن ” وقال تعالى: ” أفمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا لا يستوون” قال قتادة: لا والله ما استووا في الدنيا، ولا عند الموت، ولا في الآخرة.

قال تعالى:” أفنجعل المسلمين كالمجرمين مالكم كيف تحكمون” سؤال واستفهام تعجبي، وأعجب من ذلك أن يتهجم، ويتهم بالعنصرية من لا يسوي بالولاء والمحبة بين المؤمنين وعباد الأحجار والأشجار، فالمسلمون لهم أصدقاء ولهم أعداء.

ثانيا: المسلم إيجابي لا سلبي.

     المؤمن كالمطر أينما حل أفاد ونفع، فالأرض عطشى لمطره، مشتاقة لوبل أمطاره، فهو كالنور أينما حل أضاء، فهو مصلح مشفق في جميع البيئات والأوطان ‘قال الرسول صلى الله وسلم: “إنما بعثت لأتمم صالح الأخلاق” شعاره ” وما أريد أن أخالفكم. ” فهو يصلح القلوب إذ يدعوها إلى الاعتقاد الصحيح لتسلم، قال تعالى: ” قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ” فهو يطلب أن يؤتى إليه ليرفع ويعلي الآتين إليه إلى قمة الشرف ” ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا” فإن واجهته التحديات لا يتضعضع ولا يتلكأ وإنما يستمر في طريقه بخطوات ثابتة، ورأس مرتفع قائلا:” فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون

يصلح العقول لأنه يؤصل لها طريق تفكيرها، ومنهج تأملاتها، وفق منهج الله خالق العقول، قال تعالى:” سنريهم آياتنا في آفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق ” قال تعالى: ” أنظروا ماذا في السماوات والأرض وما تغني الآيات والنذر عن قوم لا يؤمنون” قال تعالى: ” ومن آياته الليل والنهار والشمس والقمر ” وقال جل جلاله” قل أرأيتم إن جعل الله عليكم الليل سرمدا إلى يوم القيامة من إله غير الله يأتيكم بضياء، أفلا تعقلون

 المؤمن يصلح الحياة العامة، إذ الصلاح والإصلاح هو حزام الأمان، وحماية للمجتمعات، قال تعالى ” وما كان ليهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون

يتقرب إلى الله بهمة الإصلاح، ويعلم أن الإصلاح من أعظم القربات إلى الله، قال تعالى” فمن اتقى وأصلح فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون”.

والمسلم الذي قدر له أن يعش في الغرب فهو ممتحن بهم، فإما أن يؤدي الفريضة الملقاة على عاتقه فيفوز فوزا عظيما، إما أن يقصر أو يعتدى فتحمل وزرا عظيما، قال تعالى: “ وكذلك جعلنا بعضلكم لبعض فتنة أتصبرون وكان ربك بصيرا“.

 فالمؤمن المغترب مفتون بالغربيين وممتحن بهم لأنه سفير الإسلام وممثله أمام هؤلاء، حتى ولو لم يشعر ذلك، لأنهم يعتبرونه بأنه صورة للإسلام ومرآة له.

إذًا على المسلم في الغرب أن يعلم أنه في ساحة دعوة وإرشاد، لا في ساحة حرب وقتال، والفرق بينهما كالفرق بين السماء ذات الرجع والأرض ذات الصدع، إذن فعليه أن يحبب الناس الإسلام، وأن يلين لهم الخطاب، ولا ينفرهم عن الإسلام، وعليه أن يصبر على أذاهم، ويتحمل مشقاتهم، وأن يقتفي في ذلك أثر سيد الدعاة الذي قال له ربه ” ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي أحسن” قال تعالى” خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين”

فعلى العاقل أن يدرك أننا نعيش في زمن العمل لا في زمن التنظير، فمهما نافحنا عن الإسلام بحناجرنا، وبثرثرتنا، وبجعجعتنا، لن يقدّم ذلك شيئا ولن يؤخر، ولا يكون له أيُّ أثر في الواقع، حتى نكون نحن نموذجا يحتذى به، ومثالا عمليا يترسم على خطواته، ومرآة ينظر الإسلام من خلالها، وقدوة صالحة للبشرية، فيما نقول، كما قال تعالى:” كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ ”  فالخطاب عام موجه لجميع الأمة، “كنتم” كل في موقعه وطاقته، فصاحب المتجر داعية في تعامله مع الآخرين بأمان وإخلاص، والمعلم في حقل تدريسه داعية لأنه يؤدي وظيفته بإخلاص وتفان ونصح إرشاد،  كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم: “فكلكم راع ومسئول عن رعيته” و قوله تعالى ” أخرجت للناس” لا على الناس، وإنما لنفع الناس، والناس هنا اسم جنس عام يشمل المسلم والكافر، والبار والفاجر، والقريب والبعيد، والعدو والصديق، والمعروف والغريب،  وإلّا إذا كانت أخلاقه منكرة وسيئة، فهو يكره الناس الإسلام، ويصد عن دين الله،  وسيكون عقبة كؤود في طريق مد الإسلام وانتشاره، فالشعوب التي نعيش فيها تنظر إلى سلوكياتنا، قبل أن تسمع أقوالنا، قال تعالى: ”  يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ

أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ ” وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الإِصْلاَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلاَّ بِاللّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ “.

وصدق من قال: ” من خالفت أقواله أفعاله تكن أقواله أفعى له”

وقال الشاعر:

ابْدَأْ بِنَفْسِك فَانْهَهَا عَنْ غَيِّهَا *** فَإِذَا انْتَهَتْ عَنْهُ فَأَنْتَ حَكِيمُ

فَهُنَاكَ تُعْذَرُ إنْ وَعَظْتَ وَيُقْتَدَى *** بِالْقَوْلِ مِنْك وَيحصل التسليمُ

لَا تَنْهَ عَنْ خُلُقٍ وَتَأْتِيَ مِثْلَهُ *** عَارٌ عَلَيْك إذَا فَعَلْت عَظِيمُ

 لقد كتبتُ في الحلقة الماضية أمرين مهمين من أخلاق المسلم المغترب في محيطه، وها أنا اليوم ألحق بهما ثلاثة أخرى

ثالثها: تحريم الغدر والخيانة

ومن فروض الأعيان على كل مسلم ومسلمة، الوفاء بالعهد، إذا عاهد مؤمنا أو كافرا، كما يجب عليه أداء الأمانة كاملة غير ناقصة إذا استأمنه أحد كائنا من كان، كما قال تعالى وهو يذكر صفات المؤمنين المفلحين يوم الدين ‘‘الذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون” والآية عامة لم تخصص بعمومها، بل تظاهر القرآن على هذا العموم، قال تعالى:” يائها الذين أمنوا أوفوا بالعقود” “وذلك إذا واثقه على أمر وعاهده عليه عهدا بالوفاء له بما عاقده عليه، من أمان، وذمة، أو نصرة، أو نكاح، أو بيع، أو شركة، أو غير ذلك من العقود”

وقد صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه أعد الخيانة من الأمانة، والغدر بالعهد من صفات المنافقين، وما كان من صفات المنافقين لا يجوز للمسلم أن يتصف به ومن هنا قال الرسول صلى الله وسلم:” لا إيمان لمن لا أمانة له، ولا دين لمن لا عهد له” أخرجه أحمد حسن.

وفي الصحيحين من حديث ابن مسعود، وابن عمر، وأنس رضي الله عنهم قالوا: قال النبي صلى الله عليه وسلم:” لكل غادر لواء يوم القيامة، يقال: هذه غدرة فلان” متفق عليه.

وصاحب الغدرة يفضحه الرب أمام الأشهاد يوم القيامة، بل يمثله أمام محكمته حين توضع موازين القسط حتى ينصف للكافر ممن ظلمه وغدره وإن كان مسلما، لأنه صح عن النبي صلى الله وسلم فيما أخرجه البخاري في الأب المفر، وأشار إليه في صحيحه عن جابر بن عبد الله حدثه قال : بلغني عن رجل من أصحاب رسول الله حديث سمعه من رسول الله لم أسمعه منه قال : فابتعت بعيرا فشددت عليه رحلي فسرت إليه شهرا حتى أتيت الشام ، فإذا هو عبد الله بن أنيس الأنصاري ، قال : فأرسلت إليه أن جابرا على الباب ، قال : فرجع إلي الرسول فقال : جابر بن عبد الله ؟ ، فقلت : نعم ، قال : فرجع الرسول إليه ، فخرج إلي فاعتقنني واعتنقته ، قال : قلت : حديث بلغني أنك سمعته من رسول الله في المظالم لم أسمعه فخشيت أن أموت أو تموت قبل أن أسمعه ، فقال : سمعت رسول الله يقول : « يحشر الله العباد أو قال يحشر الله الناس عراة غرلا  بهما قلت : ما بهما ؟ قال : ليس معهم شيء ، قال : فيناديهم بصوت يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب : أنا الملك أنا الديان لا ينبغي لأحد من أهل الجنة أن يدخل الجنة ، وأحد من أهل النار يطلبه بمظلمة ، ولا ينبغي لأحد من أهل النار يدخل النار ، وأحد من أهل الجنة يطلبه بمظلمة حتى اللطمة ، قال : قلنا كيف هو ؟ وإنما نأتي الله تعالى عراة غرلا بهما قال بالحسنات والسيئات»

قال الشافعي: ” إذا دخل قوم من المسلمين بلاد الحرب بأمان؛ فالعدو منهم آمنون إلى أن يفارقوهم، أو يبلغوا مدة أمانهم، وليس لهم ظلمهم، ولا خيانتهم”

قال الماوردي ” وإذا دخل المسلم دار الحرب بأمان، أو كان مأسورا معهم فأطلقوه وأمّنوه؛ لم يجز أن يغتالَهم في نفس ولا مال، وعليه أن يؤمنهم”

قال النووي ” دخل مسلم دار الحرب بأمان، فاقترض منهم شيئا، أو سَرق، وعاد إلى دار الإسلام؛ لزمه رده، لأنه ليس له التعرض لهم إذا دخل بأمان”

رابعها: الكفار يملكون أموالهم ملكا صحيحا

ما يحوزه الكافر من المال فهو مالكه شرعا، فلا يجوز أن يسلب منه من جهة الخيانة وغيرها، إلا عن طريق شرعي نصه الكتاب والسنة، ومما يدل على أنهم يملكون أموالهم ملكا صحيحا، أن أموالهم أضيفت إليهم في كتاب الله وسنة رسول الله، والأدلة في ذلك طافحة، منها قوله تعالى ” فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم” وقال تعالى ” يحسب أن ماله أخلده” والإضافة تقتضي التخصيص أي أن المال خاص له يملكه ملكا صحيحا. وقد تعامل الرسول صلى الله وسلم الكفار على هذا الأصل، فلم يستبح أموالهم بعلة الكفر، بل استقرض منهم، وراهن درعه عند يهودي، وأكل طعامهم، ولم يستحل أموال أهل المكة وأماناتهم التي ودعوها عند الرسول صلى الله عليه وسلم، مع ما فعلوا فيه من إخراجه صلى الله عليه وسلم داره ووطنه الذي ترعرع فيه، بل نوب عنه ابن عمه علي ابن طالب ليؤدي عنه الأمانة إلى أهلها، وقد بوب البخاري في صحيحه ” باب: الشراء والبيع مع المشركين وأهل الحرب”

ونقل الحافظ عن ابن بطّال أنه قال: ” البيع والشراء من الكفار كلهم جائز، إلا أهل الحرب لا يباع منهم ما يستعينون به على إهلاك المسلمين من العدّة والسلاح، ولا ما يقوون به عليهم”. وأخرج البخاري في صحيحه:” أن المغيرة بن شعبة كان قد صحب قوما في الجاهلية، فقتلهم، وأخذ أمولهم، ثم جاء فأسلم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم “أما الإسلام فأقبل، وأما المال فلست منه في شيء“.

وعلق ابن القيم على هذا الحديث في ” زاده” ’’ الحديث دليل على أن مال المشرك المعاهد معصوم، وأنه لا يُملك، بل يرد عليه‘‘

قال الماوردي “الكافر صحيح الِملك كالمسلم لقوله تعالى:” وأورثكم أرضهم وديارهم وأموالهم” فأضافها إليهم إضافة ملك”. وعلى هذا يجوز التعامل مع الكافر بالبيع والشراء، والاقتراض، والعطية والهبة، وفق الضوابط الشرعية كأن يكون المبيع حلالا، فلا بأس التعاون مع الكفار في مكافحة المخدرات، ومعالجة المرضى، ومكافحة انتشار الوباء والأمراض، وفي حفظ الأمن، وتنظيف الشوارع، وتجميل الطرقات، ودفع الظلم والعدوان.

قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم – في هذا حلف الفضول:

” شَهِدْتُ حِلْفَ الْمُطَيَّبِينَ [يقصد حلف الفضول فهم في الأصل من جماعة المطيبين] مَعَ عُمُومَتِي وَأَنَا غُلَامٌ فَمَا أُحِبُّ أَنَّ لِي حُمْرَ النَّعَمِ وَأَنِّي أَنْكُثُهُ ” [أحمد، برقم 1567، وهو في السلسلة الصحيحة].

وكان هذا الحلف في الجاهلية، وأشاده الرسول في زمن الإسلام لأنه كان يتضمن بنودا تتفق مع مقاصد الدين، وأهداف الشريعة، وما كان مثل هذا النمط يجوز التعاون مع الكفار.

خامسها: المسلم شكور لا كفور

المسلم مَن أسدى إليه معروفا كافئه، ومن أحسن إليه قولا جازاه، ومن أكرمه فعلا شكره، قال تعالى” وهل جزاء الإحسان إلا الإحسان“، ولا يوجد إحسانٌ أعظم إحسانَ من آواك من الخوف، وأطعمك من الجوع، وأسقاك من العطش، وألبسك من العري؛ ولذلك قال الرسول صلى الله عليه وسلم:” من صنع إليكم معروفا فكافئوه، فإن لم تجدوا ما تكافئونه، فادعوا له، حتى تروا أنكم قد كافأتموه“. ولا إخال أنه يخفى عليك أنّ من ألفاظ العموم فتتناول المسلم والكافر، والقريب والبعيد، والرجل والمرأة. قوله صلى الله عليه وسلم “فادعوا له” يجوز الدعاء للكافر بالصحة والهداية، لا بالمغفرة والرحمة. وقال صلى الله عليه وسلم ” لا يشكر اللهَ من لا يشكر الناس” كل الناس.

ويجوز له تهنئة الكافر بالزواج والولادة، كما يجوز لعيادته إذا مرض، لأن أنسا رضى الله عنه قال: كان غلام يهودي يخدم النبي صلى الله عليه وسلم فمرض فأتاه النبي صلى الله عليه وسلم يعوده فقعد عند رأسه فقال له: ” أسلم ”. فنظر إلى أبيه وهو عنده فقال: أطع أبا القاسم. فأسلم. فخرج النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقول: ” الحمد لله الذي أنقذه من النار ”. رواه البخاري.

كان نبينا صلى الله عليه وسلم قد ضرب لنا في حياته العملية أروع الأمثلة في الوفاء والاعتراف لصاحب الفضل عليه فضله، ومن أمثلة ذلك أنه بذل جميع طاقاته لإنقاذ عمله أبي طلب من النار، وسلك في ذلك كل الطرق، وركب في ذلك كل صعوب وذلول، إلى أن حضر عنده حين النزع وحاول حتى نزل عليه الوحي “إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء“، ومات وهو يقول: ” هو على ملة عبد المطلب”.

وما فعل ذلك النبي صلى الله عليه وسلم إلا شكرا بيده البيضاء عليه صلى الله وسلم في أحلك ظروفه وأصعب أوقاته. ولم يحرص على أبي لهب مثل هذا الحرص مع أنه شقيق والده، وصهر النبي صلى الله عليه وسلم، لأنه ناوء الدعوة منذ الوهلة الأولى فتبت يداه في الجحيم معذبا. لم يتوقف وفاء النبي صلى الله عليه وسلم لعمه في الدنيا فقط بل تعدى ذلك إلى دار القرار، فقد أخرج الشيخان أن العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه أنه قال للنبي صلى الله عليه وسلم: ما أغنيت عن عمك؛ فإنه كان يحوطك ويغضب لك؟ قال: ” هو في ضحضاح من نار، ولولا أنا لكان في الدرك الأسفل من النار” وهذه الشفاعة خاصة للنبي صلى الله عليه وسلم.

وفي صحيح البخاري أن النبي صلى الله وسلم قال:” لو كان المطعم بن عدي حيا، ثم كلمني في هؤلاء النتن؛ لتركتهم له” قال ذلك لما أُسر من أسر من المشركين في غزوة بدر، وذلك وفاء للمطعم بن عدي بمواقفه النبيلة تجاه الرسول صلى الله عليه وسلم عندما أجاره يوم الطائف.