فصل القول في حكم مساعدي الحبشة على احتلال الصومال
المقدمة
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين محمد بن عبد الله وعلى آله وأصحابه الطيبين الطاهرين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
وبعد؛
لقد فزع كل مسلم غيور على الإسلام وأهله وخاصة الصوماليين بما حل بالصومال من احتلال عدوها التقليدي الإثيوبي الغاشم. وما كانوا ليتمكنوا من ذلك إلا بقدر من الله ثم بمساعدة بعض المجرمين الذين هم من بني جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا، ولكن قلوبهم قلوب الذئاب.
فهؤلاء تمالئوا (أي تآمروا) مع الأعداء لاحتلال بلاد الصومال ومحو الإسلام منها والتعدي على حرماته وتقتيل المسلمين وسفك دمائهم، وانتهاك أعراض المسلمات العفيفات المحصنات، وضرب الشعب الصوماليّ الأعزل بالمدافع والصواريخ بدون رحمة وعدم مبالاة، وتهجير الناس عن منازلهم، ونهب أموالهم، وهدم بيوتهم، وتدمير الأسواق ونهب المتاجر، وسومهم سوء العذاب.
فهؤلاء الذين استجلبوا الكفار كانوا معروفين لدى الصوماليين والعالم أجمع بعداوتهم وكرههم للإسلام وأهله والتّربص بهم الدوائر ﴿عليهم دائرة السوء﴾، فكانوا يحثون الحبشة وغيرهم من قوى الكفر على غزو الصومال وتدمير الإسلام الذي يتقوى وينمو يوما بعد يوم.
وهم مشهورون أيضا بعمالتهم للاستعمار والخيانة الوطنية، فهم أول من هرب إلى إيثوبيا وأعلنوا الحرب على الصومال بمساندة إيثوبيا عام ١٩٧٨م وهم دائما يفتخرون بهذه العمالة والخيانة متبجحين بأن الحبشة إخوانهم وأحبائهم وأنه لا فرق بينهم وبين التكراي التي تحكم الحبشة.
ماذا يتطلب هذا الحدث من المسلمين عامة والصوماليين خاصة
كان هذا الموقف الحرج يستدعى من المسلمين عامة والصوماليين خاصة أن يشعروا: بأن ما حل بهم ما هو إلا من أجل ذنوبهم وعصيانهم وعدم تمسكهم بحبل الله جميعا وتفرقهم إلى شيع وأحزاب وجماعات، وتعصب كل منهم إلى قبيلته والحرص على المصالح الخاصة ونبذ الإهتمام بالمصلحة العامة المشتركة.
لأجل ذلك كان لزاما عليهم أن يتوبوا إلى الله عز وجل عن تقصيرهم في طاعته وجرأتهم على معصيته، وأن يعتصموا بحبل الله جميعا ويوحدوا صفوفهم ويجمعوا كلمتهم على الدفاع عن الإسلام وأهله والتكاتف على طرد العدو الغاشم وإخراجه من البلاد هم وأذنابهم الذين استجلبوهم.
ولكن ذلك لم يقع ولم يحصل من الصوماليين بل ازدادوا فرقة على فرقتهم حيث تفرقوا كأيادي سبأ... فصار جملة كبيرة من الشعب يفرحون باحتلال الأعداء ويرحّبون بهم ويصفّقون لهم ويؤيدونهم بالمال واليد واللسان ويبجلونهم بالاحترام والتقدير ويظهرون لهم المحبة والرضى.
وثلة من الشعب عرفوا خطط المحتلين وأذنابهم وعدواتهم للإسلام وأهله، فقاموا في وجه العدو ورفضوهم، وقاوموهم باليد واللسان وأبغضوهم بقلوبهم وحذّروا الشعب من كيد الأعداء وشجّعوهم على مقاومتهم وعدم الاستسلام لهم، فجزاهم الله خير الجزاء.
تباين آراء علماء الصومال في هذا الحدث والموقف العظيم
لم يقتصر الاختلاف تجاه هذا الموقف على العوام فحسب بل تعدّى إلى العلماء.
أما أغلب علماء الصوفية فرحّبوا باحتلال الأحباش وأذنابهم على الصومال وباركوهم وهنّؤوهم وأيّدوهم، لكن القليل منهم أنكروا الاحتلال وانضموا إلى صفوف المقاومة.
ولا يستغرب من غالبية الصوفية أن يتخذوا ذلك الموقف المتخاذل لأن ذلك كان دأبهم وديدنهم، فقد كانوا يباركون الاستعمار دائما.
وقد أخذوا هذه الأخلاق الذميمة عن الرافضة والباطنية الذين تمرّسوا على خذلان المسلمين ونصرة أعدائهم الكفرة ضدهم. وذلك شيء عرفوا به على مرّ العصور، وخير شاهد لذلك موقف الوزير ابن العلقمي الرافضي، ونصير الدين الطوسي الباطني اللذان ساعدا التتار بقيادة جنكيزخان على احتلال بغداد عاصمة الخلافة، وإبادة المسلمين وتراثهم وقتل الخليفة والعلماء والوجهاء.
ولكن الغريب كل الغريب أن تختلف كلمة من بنتسب إلى السنة والسلفية في حكم هؤلاء المستجلبين للكفار.
فغالب علماء الصومال السنّيّين وأكابرهم صرحوا بأن هؤلاء الذين جلبوا الكفار وساعدوهم على احتلال البلاد، كفار مثلهم، يجب محاربتهم كما يجب محاربة الكفار الذين جلبوهم، لأن ما فعلوه غاية في مولاة الكفار، وهذا يقتضي كفرهم وخروجهم من الإسلام.
وذهب قليل من طلبة العلم إلى أنه لا يجوز تكفيرهم ولا محاربتهم لأنهم مسلمون، وأنهم إنما استعانوا هؤلاء الكفرة لاستتباب الأمن وتثبيته.
ومن هنا كثر القيل والقال في هذا الأمر، وتحيّر فيها كثير من العامة وطلبة العلم، فهؤلاء الملتمسين العذر لجالبي الكفار يتّهمون من يذهب إلى جواز تكفيرهم ومحاربتهم بأنهم يكفّرون المسلمين، ومن ذهب إلى تكفير الجالبين يستغرب موقف الْمُعْذِرين للجالبين ويتّهمهم بخذلان المسلمين والتبرير لهؤلاء المجرمين وعمالتهم.
والموقف الصحيح أن توقف الدعايات والاتهامات المتباذلة، وأن نحتكم إلى كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم على ضوء فهم سلفنا الصالح، وأن نبحث هذا الموضوع بحثا علميا دقيقا.
فالعلم كما قال العلماء: إما نقل مصدق أو بحث محقق.
قال الله تعالى: ﴿فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا﴾ [سورة النساء: آية ٥٩].
إذاً يجب علينا أن يكون رائدنا وضالتنا المنشودة الوصول إلى الحق والأخذ به. ولنجعل نصب أعيننا قوله تعالى: ﴿الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه أولئك الذين هداهم الله وأولئك هم أولوا الألباب﴾ [سورة الزمر: آية ]، وقوله صلى الله عليه وسلم: (( اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم ))، وقول الإمام الشافعي رحمه الله تعالى: (ما ناظرت أحدا إلا وأحببت أن يظهر الله الحق على لسانه).
لذا يكون قصدنا موافقة الحق ولا نتعصب لقول أحد أو رأي فلان، فالأمر كما قال إمام دار الهجرة: (كل يؤخذ من قوله ويترك إلا صاحب هذا القبر) يعني رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ونستعرض حكم الجالبين للكفار مع ذكر أدلة الفريقين لأنه يجب على العلماء توضيح الحق وتبيينه للناس وإرشاد العوام إلى الصواب.
حكم الجالبين الأحباش الكفار
أدلة من قال بكفرهم
كما تقدم ذكره فإن معظم علماء الصومال صرحوا بتكفير هؤلاء الجالبين للأحباش وبأنه يجب محاربتهم كما يجب محاربة من يساعدونهم من الكفار، للأدلة التالية:
الدليل الأول الذي يدل على كفرهم:
أنهم منفّذون لخطط الكفار في محو الإسلام من الصومال
لا يشك عاقل يعرف سياسة الحبشة ومعاونيهم المستعمرين أنهم كانوا يخططون لمحو الصومال من خريطة العالم وضمها إلى إيثيوبيا منذ زمن بعيد وقد صرح بذلك رئيس إيثوبيا السابق منجستو حيلى مريم، وصرحت بذلك أيضا جنداي فريزر (Jendayi Frazer) نائبة الخارجية الأمريكية لشئون الصومال، حيث قالت: ليس من العدل أن يتمتع الصوماليون الذين لا يتجاوز تعدادهم سبع ملايين بأكبر ساحل في العالم ويحرم الإيثوبيون وهم أربعون مليون من الساحل.
وكانت إيثوبيا دائما وأبدا ترى أن لها الأحقية في بلاد الصومال، وإنما انتزعها من يدها المسلمون.
والصوماليون بالعكس يرون أن هذه بلادهم التي ولدوا فيها ونشأوا فيها وأسلموا عليها، فمن حقهم أن يحتفظوا ببلادهم وأن يستميتوا بالدفاع عنها وعن دينهم الإسلامي.
فمثل إيثوبيا في ذلك كمثل اليهود في ادعاء أحقيتها لأرض فلسطين وكلاهما مخطئان في ذلك خطأً كبيراً، ولكنهما يعرفان أن هناك قوى كبيرة تساعدانهما على ظلمهما، ولكن الله غالب على أمر المسلمين.
ولذلك جرت حروب ومحن بين الصومال والحبشة على مرّ العصور، فمن ذلك الحروب التي خاضها أحمد جُرَي ضد الحبشة فهزمهم فيها إلى أقصى مملكتهم وخيب أطماعهم بفضل الله ثم بشدته في تمسكه بالدبن وإخلاصه وشجاعته هو ومن معه من الصوماليين المسلمين، فلما علم ذلك دول النصارى الغربيين انتدبوا لنصرة الحبشة، فأرسلت البرتغال أساطيلها البحرية عليها العدد والعتاد لنصرتهم، واستمر الأمر كذلك، وكانت الحرب دولا، حتى وصلت الحبشة في بعض الأحايين إلى مدينة بلعد - وهي مدينة تبعد عن مقديشو أربعين كيلو شمالا -، وكان قصدهم آنذاك احتلال مقديشو مدينة الإسلام، ولكنهم لم يفلحوا في ذلك.
ثم بعد ذلك هزمت الحبشة وطردوا إلى أقصى مملكتهم. وكلما هزمت الحبشة أو أحسوا بالخطر كانت دول النصارى والكفر تمدهم بالعون والمدد كي يُثَبِّتوا ويضمنوا وجود الحبشة في هذه المنطقة ورجحان كفّتهم وغلبتهم على المسلمين الصوماليين.
فلما رأى الغربيون النصارى صلابة الصوماليين وبأسهم وشجاعتهم وغيرتهم على دينهم وأنه في مقدور هؤلاء إزالة مملكة إيثوبيا أو إضعافها عقدوا مؤتمر بارلين عام ١٨٨٥م وقسموا الصومال إلى خمسة أقسام حيث وضعوا جنوب الصومال تحت الاستعمار الإيطالي، وجعلوا شمال الصومال وجزء من شمال كينيا تحت الاستعمار الانجليزي، وجعلوا جيبوتي تحت الاستعمار الفرنسي، ووضعوا غرب الصومال أو الأغادين تحت الاستعمار الإيثوبي. فعلوا كل هذا لإضعاف قوة الصومال.
ولكن بفضل الله ثم بجهود نخبة من علماء الصومال وخيارهم الذين كافحوا الاستعمار الايطالي والبريطاني تم استقلال جزئين من أجزاء الصومال واتحدتا عام ١٩٦٠م وكونا جمهورية الصومال. وتم تأسيس جيش قوي للدفاع عن حرية الصومال.
حاولت إيثوبيا بتأييد من النصارى العالمية أن تجهض الجمهورية الناشئة وتدفنها في مهدها، ولكن بفضل الله ثم بجهود المسئولين وتتكاتف الجيش والشعب معهم هزمت الحبشة عام ١٩٦٤م، وباءت مخططاتها بالفشل.
ثم نشب الحروب والمعارك بين الصومال وإيثوبيا عام ١٩٧٧م لاستمرار احتلالها على غرب الصومال واضطهاد شعوبها والتضييق عليهم وحرمانهم من أية حقوق.
وهزمت الحبشة في هذه المعركة شر هزيمة وحررت غرب الصومال عن أيديهم، ووصل جيش الصومال على مشارف أديس أبابا وكادت دولة الحبشة أن تزول وتضمحل.
ولكن هذا النصر لم يتم للصوماليين ولم تطل مدته لأمرين: أحدهما: أن قادة البلاد آنذاك كانوا اشتراكيين معادين للدين ومحاربين له حتى وصل الأمر بهم إلى الاستهزاء بآيات الميراث في سورة النساء والطعن في الرسول، ثم اقدموا على قتل العلماء الذين أنكروا عليهم في طعنهم للإسلام والسخرية به، وما كان الله ليحقق النصر على أيدي هؤلاء الظلمة المعتدين.
ثانيا: أن دول الكفر شرقا وغربا تكاتفوا مع الحبشة عسكريا وسياسيا ومكنوها من إلحاق الهزيمة بالجيش الصومالي بعد انتصاره الساحق على جيوش الحبشة.
ولما جرّبت دول الكفر والحبشة كفاءة الجيش الصومال وقدرته على قلب الموازين قرروا تدمير الجيش الصومال ثم إزالة دولتها ومحوها من خريطة العالم. وقد فاه بذلك منجستوا كما ذكرنا قريبا.
ثم خطط الاستعمار إنشاء ثورات قبلية لإسقاط حكومة سياد بري وكان الهدف من وراء ذلك أن تكون حكومة سياد بري آخر حكومة معترفة لدى العالم للصومال، ثم يسود البلد فوضى لا سراة له كي يسهل عليهم تنفيد خطتهم ومؤامرتهم في ابتلاع البلاد.
ولما رأت أمريكا تمزق الصومال بعد سقوط الحكومة وانقسام شعبها إلى قبائل شتى متناحرة ومتقاتلة لا يجمع شملهم شرع ولا نظام ظنت أن خطتها قد أتت أكلها وأن الثمار قد أينعت وحان قطافها، غزت الصومال باسم إغاثة المتضررين بالجفاف، وغزت بجيش قوامه مئاتا ألف جندي تقريبا، وذلك في عام ١٩٩۲م، ولكن خطة الأمريكا آنذاك قد باءت بالفشل بفضل الله ثم بالجهود التي قام بها الجنرال عيديد ومن معه من الصوماليين الذين قاوموا الأمريكان وقاتلوهم وخاضوا ضدهم معارك عنيفة أشهر هذه المعارك معركة رانجرس (Rangers) التي كانت هي الفيصل حيث قتل فيها كثير من جيش الأمريكان وأسر بعضهم، وكانت تلك الهزيمة قاصمة ظهر على الأمريكان سياسيا وعسكريا، فحقدوا على الصومال وقرروا الانتقام منهم بتسليط إيثيوبيا عليهم ومساعدتها عسكريا وسياسيا في احتلال الصومال فكانوا يدرّبون جيوش إيثيوبيا منذ عشر سنين أو أكثر وسلّحوهم أحدث تسليح وأعطوهم الأموال المغرية في تنفيذ ذلك المخطط.
وعلمت إيثيوبيا أن تنفيذ ذلك المشروع لا يكلل بالنجاح إلا بالتآمر مع مجموعة من الخونة الصوماليين واصطناع حكومة مواليه لها لا تمثل الصوماليين ولا تخدم قضيتهم وإنما تخدم أطماعهم، ففتّشوا عن أخبث لئيم، فما وجدوا أحدا أجدر بهذه المهزلة من قادة الحكومة الحالية الذين جلبوا الأحباش، فانطبق عليهم المثل العربي (وافق شنٌّ طبقة) وهو مثل في المتناسبين.
فمن هنا نعلم أن قادة الحكومة الحالية الذين جلبوا الأحباش ما انشئوا وما مكّنوا إلا لخدمة الاستعمار والأحباش الذين يريدون ضرب الاسلام في الصومال وإزالته. فما دام قصد هؤلاء الجالبين معاونة الكفار على هدم الاسلام وإبادة أهله فهم كفار مثلهم. فهذا هو الدليل الأول لمن يرى كفر هؤلاء وخروجهم من الاسلام.
الدليل الثاني على كفر جالبي الأحباش الكفرة:
الآيات القرآنية والأحاديث النبوية
أما الدليل الثاني على كفر جالبي الأحباش فهذه الآيات والأحاديث التي تنهى عن موالاة الكفار ومعاونتهم ضد المسلمين، وتبيين أن هذه الموالات توصل صاحبها إلى الكفر والخروج عن الاسلام.
ومعلوم أن موالاة الكفار تقع على شعب متفاوتة وصور مختلفة، لذا فإن من هذه الشعب والصور ما يوجب الردة وينقض الإيمان بالكلية ومنها ما دون ذلك من المعاصي. ولكن ما أتى به هؤلاء الخونة الذين ساعدوا الأحباش على احتلال الصومال هي أشد الموالاة وأبشعها التي تقتضي كفر صاحبها وخروجه من الملة.
فمن هذه الآيات التي تدل على كفر هؤلاء قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم لا يألونكم خبالا ودوا ما عنتم قد بدت البغضاء من أفواههم وما تخفي صدورهم أكبر قد بينا لكم الآيات إن كنتم تعقلون﴾، [سورة آل عمران: آية] وقال تعالى: ﴿الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت﴾، [سورة البقرة: آية]. وقال تعالى: ﴿ولو كانوا يؤمنون بالله والنبي وما أنزل إليه ما اتخذوهم أولياء ولكن كثيرا منهم فاسقون﴾ [سورة المائدة: آية].
ومن الأحاديث قوله صلى الله عليه وسلم: ((من تشبه بقوم فهو منهم))، [أخرجه أحمد، وصححه الألباني في الإرواء ح: ١۲٦٩] فهؤلاء الجالبون الكفار الأحباش شابهوهم في عداوتهم للإسلام وأهله وإبادتهم وتقتيلهم.
ومنه قوله صلى الله عليه وسلم: ((أوثق عرى الإيمان الموالات في الله والمعادات في الله والحب في الله والبغض في الله)). [صححه الألباني في صحيح الجامع ۲/۳٤۳ ح۲٥۳٦].
تعريف الولاء والبراء
بعد ما سقنا الآيات القرآنية والأحاديث النبوية التي تنهى عن موالات الكفار، وأن من تولاّهم كافر مثلهم، يجدر بنا أن نعرّف الوَلاء والبراء، فالولاء في اللغة الموالات كما قال ابن الأعرابي، وهو: أن يتشاجر اثنان فيدخل ثالث بينهما للصلح، ويكون له في أحدهما هوى فيواليه (أي ينصره) أو يحابيه، ويقال: والى فلان فلانا: إذا أحبه. والوَلاء بمعنى الاصطلاحي الشرعي: هي النصرة والمحبة والإكرام والاحترام والكون مع المحبوب ظاهرا وباطنا. فموالات الكفار تعني التقرب إليهم وإظهار الودّ لهم بالأقوال والأفعال والنوايا.
وأما تعريف البراء بالمعنى الاصطلاحي: فهو البعد والخلاص والعداوة بعد الإعذار والإنذار.
وقال شيخ الإسلام في تعريف الولاء والبراء: الولاية ضد العداوة، وأصل الولاية المحبة والتقرب، وأصل العداوة البغض والبعد. والولي القريب، يقال: هذا يلي هذا أي يقرب منه، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم: ((الحقوا الفرائض بأهلها فما بقي فلأولى رجل ذكر))، [متفق عليه من حديث ابن عباس] أي لأقرب رجل إلى الميت. فإذا كان ولي الله هو الموافق المتابع له فيما يحبه ويرضاه، ويبغضه ويسخطه ويأمر به وينهى عنه كان المعادي معاديا له، كما قال تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء﴾، (الفرقان لابن تيمية ص:٧).
ويتضح مما سبق: أن الولاء في الله هو محبة الله ونصرة دينه ومحبة أوليائه ونصرتهم، والبراء: هو بغض أعداء الله ومجاهدتهم.
فتبين لنا من الآيات والأحاديث ومما عرفنا من معنى الولاء والبراء أن هؤلاء الذين جلبوا الأحباش إلى بلاد الصومال وأعطوهم الشرعية لسحق الإسلام وأهله موالون للكفار غاية الموالات ومعادون للإسلام غاية العداوة، وذلك يقتضي كفرهم وخروجهم من الملة.
الدليل الثالث على كفر جالبي الأحباش:
أقوال العلماء
من الأدلة التي تدل على كفر هؤلاء المتآمرين مع الأعداء أقوال العلماء فيمن تولى الكفار وعاونهم على سحق المسلمين وإبادتهم. وإليكم نُبذة من هذه الأقوال في هذا الأمر.
قال الإمام أبو جعفر الطبري في تفسير قوله تعالى: ﴿ومن يتولهم منكم فإنه منهم﴾[سورة المائدة، آية: ٥١]، قال: ومن يتول اليهود والنصارى دون المؤمنين فإنه منهم، يقول: فإن من تولاهم ونصرهم على المؤمنين فهو من أهل دينهم وملتهم، فإنه لا يتولى متول أحداً إلا وهو به وبدينه وما هو عليه راض، وإذا رضيه ورضي دينه فقد عادى ما خالفه وسخطه، وصار حكمه حكمه. [تفسير الطبري: ٤/۳٥٨].
قلت: سبب نزول الآية يدل على صحة مقالة ابن جرير، وهو ما رواه ابن جرير نفسه بسنده عن عطية بن سعد، قال: جاء عبادة بن الصامت من بني الحارث بن الخزرج إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله، إن لي موالى من يهود كثير عددهم وإني أبرأ إلى الله ورسوله من ولاية يهود وأتولى الله ورسوله، فقال عبد الله بن أبي: إني رجل أخاف الدوائر لا أبرأ من ولاية موالى فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن أبي: يا أبا الخباب: ما بخلت به من ولاية يهود على عبادة فهو لك دونه. قال: قد قبلت. فأنزل الله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض﴾ إلى قوله تعالى: ﴿فترى الذين في قلوبهم مرض﴾ [المائدة: ]